مدينة الورد وماء الورد اسم جديد للطائف

فعاليات مهرجان الورد الطائفي وبرامجه المتنوعة تتواصل إلى منتصف شهر أبريل بالتزامن مع موسم جني الورد الذي اشتهرت الطائف بزراعته دون بقية مناطق السعودية.
الثلاثاء 2018/04/10
نستنشق بهجة الحياة

الطائف (السعودية)- يواصل مهرجان الورد الطائفي في دورته الرابعة عشرة، فعالياته وبرامجه المتنوعة بالتزامن مع موسم جني الورد الذي اشتهرت بزراعته المنطقة منذ زمن بعيد حتى ارتبط اسمه باسمها وبات يعرف بـ”الورد الطائفي”، وأقيمت معامل لإنتاج مائه وعطره وتسويقه على النطاق المحلي وخارج المملكة العربية السعودية .

وتحتضن مدينة الطائف منذ الخامس من الشهر الجاري مهرجان الورد الطائفي الـ14 وخلال موسم قطافه يشهد فعاليات ومسابقات مثل مسابقة “الورد في عيون التشكيليين”، ومسابقة “أفضل مزرعة ورد”، ومسابقة “الورد في عدسات الفوتوغرافيين”، ومسابقة “شاعر الورد”.

 

تشتهر محافظة الطائف بالمملكة العربية السعودية منذ زمن بعيد وحتى وقتنا الحالي بزراعة الورد حتى أن اسمه ارتبط باسمها وبات يعرف بـ”الورد الطائفي”. وامتد ولع أهالي هذه المحافظة بالورد ليبلغ حد إقامة معامل لإنتاج ماء وعطر الورد وتسويقه ليس محليا فحسب بل على المستوى الخارجي أيضا .وتشهد المحافظة الآن مهرجان الورد الطائفي تزامنا مع موسم قطف الورد من قبل المزارعين، حيث يقوم البعض منهم بتسويقه على شكل ورود مختلفة بالأسواق المحلية فيما يعمل البعض الآخر على استخراج مائه وعطره

ومن المناظر الجميلة هذه الأيام بالطائف تلك المنازل التي تطل شرفاتها على حقول الورد، ومنها ما يحيط بها الورد من كل جانب، حتى أن رائحته الزكية تعبق في أرجاء المنزل خاصة في المساء فتدخل للنفس بهجة وحبورا، إضافة إلى أنه وعلى امتداد طرق وشوارع محافظة الطائف وضواحيها يصطف الباعة هذه الأيام لعرض الورد في صناديق بيضاء.

قطاف ورد السعادة

يروي عدد من كبار السن من المهتمين بورد الطائف أن فوائده كثيرة، حيث أنه بارد يابس قابض يقوّي القلب والأسنان وإذا ربي بالعسل أو السكر جلّى ما في المعدة من بلغم وأذهب العفونات، وماؤه بارد لطيف، بالإضافة إلى أنه يزيل الصداع والحساسية، كما أن له نكهة طيّبة خصوصا إذا ما أضيف ماؤه إلى ماء الشرب أو وريْقات من الوردة إذا أضيفت إلى الشاي.

ويعتبر عطره محفّزا للدماغ، لأن استنشاقه يؤثر على المراكز الحسيّة المتحكمة بالعاطفة، كما يُساعد في زيادة إفراز هرمون السعادة، ممّا يُعطي الشّعور بالراحة والاسترخاء، نتيجة لتقليل النشاط العصبي المسؤول عن تراكم الضغوط النفسيّة والإجهاد، فيعمل كشاحن للطاقة ومجدد للحيويّة، لذلك تَعمد الفنادق والمنتجعات السياحية الفخمة إلى استخدامه.

وعن استخدامات الورد الطائفي عبر عطره، فيعتبر ماء الورد الطائفي ذا تأثير مبرد وملطف لحب الشباب، ولحساسية الجلد، كما له تأثيرات علاجية، نظرا لاحتوائه على العديد من الفيتامينات. كما يستخدم كفاتح للشهية ويرافق بعض الأطباق الفاخرة، إذ يستخدم بسبب رائحته الزكية كأحد التوابل التي تُضاف إلى المأكولات في المطاعم الراقية.

موسم قطف الورد يبدأ مع بداية العشرة الأيام الأولى من شهر مارس ويستمر لمدة تتراوح ما بين خمسة إلى سبعة أسابيع، وتختلف باختلاف توالي الفصول الأربعة، حيث تتأخر مدة بداية القطف في كل سنة من 10 إلى 15 يوما.

وتتم عملية جني الورد بطرق تقليدية، يدويا، وتبدأ بطريقة دقيقة في الصباح الباكر قبل شروق الشمس أثناء تفتحه وسط أهازيج المزارعين، ويحفظ الفلاحون الورود بعد عملية الجمع في حاويات كبيرة تصنع من سعف النخيل أو من البلاستيك بهدف المحافظة على خصائص الورد ومن ثم نقله إلى المصنع إن كان يراد تقطيره.

وتحتضن الطائف، التي تتربع على قمم جبال السروات، أكثر من ألفي مزرعة للورد منتشرة في منطقتي الهدا ووادي الأعمق ووادي البني ووادي محرم والشفا والمخاضة وغيرها.

ويقول أصحاب المزارع في الطائف إن الورد الطائفي لا مثيل له في العالم، فهو أكثر رائحة وعطرا من الورود المشابهة له ويمتاز برائحته الزكية حتى أن الكثير من بائعي الورد في العالم يأتون إلى الطائف مع بدء هذا الموسم لحجز كميات كبيرة منه لبيعها في الخارج.

وأشاروا إلى أن ورد الطائف لا ينبت بشكل جيد في غير الطائف، وهو الأمر الذي يؤكده فشل محاولات بعض المهتمين بثقافة الورد لزراعتهم كميات منه في أرجاء من المملكة وخارجها.

وشرح بعضهم أن لزراعة الورد أوقاتا مخصصة، ومقومات تساعد على نجاح زراعته، حيث تنتج كل شجرة ورد ما بين 200 و250 وردة طوال موسم الحصاد الذي يستمر قرابة الشهرين.

ويقول المزارع راشد القرشي لوكالة الأنباء السعودية (واس)، إن مواعيد زراعة شتلات الورد تبدأ في فصل الربيع، كما يبدأ التشذيب للشتلات التي زرعت قديما حتى ولو كان عمرها سنة واحدة ليتسنى للمزارع جني ثمار الورد بسهولة، موضحا أنه تأتي بعد ذلك عملية الري التي تبدأ من بعد التشذيب في فصل الربيع إلى نهاية فصل الصيف .

ورغم ما يقدمه الورد الطائفي من جمال في طبيعة جبال السروات، وما يمثله من رافد اقتصادي مهم لمزارعي المنطقة، إلا أن هناك عوامل مؤثرة تعيق زراعة شجرة الورد، كما يوضح عدد من المزارعين، ومنها الماء المالح، وملوحة الأرض وزيادة ونقص السماد، وتشذيب الشجرة، ومدى صلاحية التربة، وضعف الخبرة للأيدي العاملة في هذا المجال .

وتقوم مديرية الزراعة بمحافظة الطائف بتقديم الخدمات الإرشادية لمزارعي الورد من خلال الزيارات للمزارع وإيضاح طرق التقليم الحديثة والتسميد المناسب والري وعمليات التعشيب، وكذلك الترشيد حول تقليل نسبة استنزاف المياه باتباع الطرق الحديثة للري وتوزيع النشرات الإرشادية وغيرها من الخدمات.

كما تقوم المديرية بعمليات تشخيص الإصابة بالأمراض والحشرات ومكافحتها برش المبيدات والعمليات الزراعية التي تقلل من الإصابة وإيصال المعلومات الحديثة حول تحسين وزيادة المحصول والتغلب على العوائق.

ويبيّن المهندس غازي بن عبدالرحمن فته، رئيس الخدمات الزراعية بمديرية الزراعة بمحافظة الطائف، أن الورد يزرع بواسطة العقل، حيث يتم أخذ العقل أثناء التقليم في فترة الشتاء وتدفن بالأرض لمدة عشرين يوما تقريبا لعملية التكلس ثم تزرع بالمشتل في شهر مارس حتى يتم إنباتها بالأرض المستديمة.

وبين أن من العوامل المؤثرة في ثمر الورد البرد الشديد والحر الشديد والرطوبة الزائدة وقلة المياه، حيث تسبب في انتشار مرض الصدا والبياض الدقيق في الساق والأوراق وعدم التسميد الجيد والتعشيب المستمر والتقليم غير الجيد.

وأكد نجاح زراعة الورد في مناطق أخرى بالطائف غير المناطق التي يزرع فيها حاليا كأطراف المزارع أو الحدائق العامة أو الحدائق المنزلية إلا أنه ليس بجودته وغزارة إنتاجه التي يعطيها في المناطق التي يزرع فيها حاليا (الهدا والشفا).

ويعلل ذلك باختلاف الظروف البيئية من حيث درجة الحرارة وتضاريس المنطقة إلى جانب الخبرة الكبيرة والطويلة للمزارعين لهذا المحصول من حيث العمليات الزراعية المتمثلة في التسميد المناسب والري المنتظم والتقليم الجيد والتعشيب. ويوجد في الطائف حاليا نوعان من الورد وهما الورد القاني والورد الفاتح الذي يعرف بين أهـالي المنطقة باسم ورد الطائف.

تسويق محلي وتصدير

محصول الفرح والبركة

يقول فهد النمري، أحد الذين يملكون مصنعا لاستخراج ماء الورد وعطره عن عملية تسويق الورد وإقبال الناس عليه، “نشتري ثمرة الورد من المزارع بالألف وردة والألف تساوي اثنين ونصف كيلوغرام، ويكون سعر شرائها من المزارع حسب كمية الإنتاج، فإذا كان موسم الورد ضعيفا والكمية قليلة يكون السعر مرتفعا والعكس”.

ويقول المزارعون إن الورد الطائفي لا مثيل له في العالم، فهو أكثر رائحة وعطرا من الورود المشابهة له ويمتاز برائحته الزكية حتى أن الكثير من بائعي الورد في العالم يأتون إلى الطائف مع بدء هذا الموسم لحجز كميات كبيرة منه لبيعها في الخارج.

ويشير النمري إلى تزايد الإقبال على ماء الورد وعطره خاصة في شهر رمضان وفصل الصيف، حيث يباع ماء الورد طوال العام، أما عطره فتنفد كميته بسرعة للإقبال الكبير عليه ولمحدودية إنتاجه نظرا لأن التوله تحتاج إلى 13 ألف وردة .

تقطير ماء وعطر الورد

يشرح راشد القرشي أن عملية صناعة ماء وعطر الورد الطائفي تتم من خلال وضع من 10 آلاف إلى 13 ألف وردة في القدر الخاص بطبخ الورد (التقطير) وإشعال النار تحتها حيث يتجمع البخار الناتج عن الطبخ ويخرج من أنبوب في غطاء القدر التي بدورها تمر داخل إناء به ماء لتبريد البخار حيث يتكثف ومن ثم تخرج قطرات إلى ما يسمّى “التلقية”، وهي عبارة عن زجاجة ذات عنق تسع من 20 إلى 35 لترا.

ويشير إلى أن هذه العملية يطلق عليها التلقية الأولى وتطفو عليها في العنق المادة العطرية وتسمى العروس وبعد امتلائها توضع تلقية أخرى وتسمى “الساير”. وأوضح أن نسبة تركيز رائحة العروس تصل إلى حوالي 80 بالمئة والثنو إلى حوالي 50 بالمئة، أما الساير فلا تتجاوز نسبة التركيز فيها من رائحة الورد 20 بالمئة.

وتؤثر كمية الماء وكمية الورد وزيادة ونقص لهب النار ونوع إناء الطبخ وتنظيف الغطاء الأعلى في صناعة مائه وعطره. ورغم الشهرة التي تحظى بها عوائل معروفة في الطائف بتجارة الورد وتخصصها في صناعته وتقطيره، إلا أنه في الآونة الأخيرة اتسعت رقعة تجارة الورد لتشمل عددا كبيرا من مواطني الطائف وضواحيها الذين اتجهوا لزراعة الورد وتقطيره وبيعه، بل إن بعضهم تفرغ لهذه التجارة تماما.

ويقول سراج كمال، المتخصص في تقطير وتصنيع الورد الطائفي وبيعه، إنه ورث مهنة تقطير الورد عن الأجداد، وتتم طريقة استخراج ماء وعطر الورد بوضع الورد في الأوعية المخصصة له وكل قدر حسب طاقته الاستيعابية ثم يوضع الماء بالكمية المناسبة لعدد الورد ويتم إقفال الأوعية بإحكام وتشعل النار تحتها.

 وعندما يبدأ الورد في الغليان يصعد البخار محملا بالعطر، ويمر البخار عبر أنبوب يكون محاطا بالماء البارد فيتكثف البخار وينزل على هيئة قطرات من الماء، وتستمر عملية التقطير حتى تمتلئ القارورة، حيث يطفو الدهن على وجه ماء الورد لأنه أخف وزنا من الماء بعد ذلك يسحب الدهن ويوضع في قوارير خاصة به.

ويعد الورد الطائفي عطر الملوك وأغلى وأثمن الهدايا حتى بات مطلب الوجاهة والتميز، وقد توسع تسويقه ليمتد من النطاق المحلي إلى المستوى العالمي. ويتم تصدير الورد الطائفي وعطر وماء الورد إلى عدد من دول مجلس التعاون الخليجي وعدد من الدول العربية.

ويحرص الأهالي والزوار والمصطافون على اقتناء كميات منه للاستخدام الشخصي، أو كهدايا قيمة وثمينة، ولا يخلو حفل زفاف في الطائف أو مناسبة عائلية هذه الأيام إلا وكان للورد الطائفي حضور يزيد من الفرح بهجة، فترى سلال الورد يحملها الأطفال والفتيات في أرجاء الفرح.

ويقول المزارع محيا الطلحي، إن “نساء وفتيات الطائف يستخدمن الورد ويضعنه بين خصلات شعورهن على شكل أكاليل وعقود توضع على الرأس والعنق للفتاة المتزوجة وأقاربها في ليلة الزفاف”.

وأصبح الكثير من طلاب وطالبات المدارس يحضرون معهم كميات من الورد في الصباح ليهدونها إلى مدرسيهم ومدرساتهم، حتى أن بعض الموظفين أصبحوا يحضرون معهم كل صباح كميات منه لإهدائها إلى زملائهم، لا سيما وأن ورد الطائف معروف بفوح شذاه وجمال عطره.

20