مدينة بألف وجه

الأربعاء 2013/09/18

المدينة صورة الزمن إن لم تكن الزمن بذاته، فهي تؤرخ للأيام الراحلة، وتنقش على الذاكرة عطر أناس عاشوا فيها ردحا من الزمن أو مروا فيها مروراً عابراً أو ماتوا وقبروا في مقابرها المكلّلة بالزهور، وهم نادمون على فراق أوطانهم في اللحظة الأخيرة. كذلك هي لي باريس، وقد أمضيت فيها أربعين عاما، ومازلت أجهلها.

باريس صرح هائل لا يمكن للمرء تعريفها إلا بالكلمات: هنري ميللر، ارنست همنغواي، جوليان غرين، رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، وسهيل إدريس وغيرهم. من أين انطلقت كتاباتهم من اليوميات أم من الاعترافات؟

لا نستطيع أن نبعدهم عن أذهاننا ونحن نتردد على الأماكن التي وطأتها أقدامهم، وتآلفوا معها، وشموا رائحتها، وجلسوا في مقاهيها، وتمشوا في شوارعها، وجابوا طرقها، وعبروا أزقتها الضيقة. ويحق لنا أن نتساءل:

هل كتب أولئك عن باريس نوعاً من أدب الرحلات أم ذهبوا إلى أعماق ذواتهم في محاولة لتشييدها من الداخل وكسر حدودها ومسميات شوارعها وأحيائها ومعالمها؟ حين نقرأ تلك النصوص، ندرك أن هذه المدينة التي لا تعرف الحدود، لها ألف وجه، لذا علينا أن نسافر منها إلى برج بابل ومن برج بابل إليها. إنها إذاً الكتابة عن الزمن، عن هذه العزلة المكتظة بالبشر، وهي تحثك على الانغماس في مباهجها وسرعان ما تنتهي منها من أجل أن تعود إلى محراب عزلتك، تنتظرك المدينة متوثبة، لتمتص من رحيقك، من نضارتك، من شبابك، من تعب قدميك في تسلق مدرجات أنفاقها الأرضية، ثم تطرحك جانباً لتضعك في غبار النسيان، وتطويك في مجاريها الضخمة مثل قشة مهملة، لتقذفك في بحر لا تجد فيه من ينادمك سوى النسيان والحيتان وأسماك القرش والمراكب الغريقة الضائعة في الأعماق.

إنها المدينة الوحيدة التي تهتم بها دون أن تعبأ بك سوى في اللحظة التي تنظر إلى صرحها، إنها المرآة التي تعكس وجهك، وقد دبّت فيه تجاعيد الشيخوخة.

وحين تلتفت إلى مبانيها الشاهقة، تمتلئ عجباً ودهشة، بأنك تشيخ وهي تتجدد، أنت تفقد الخلايا وهي تكتنز بخلايا جديدة، أنت تمزق أثوابك القديمة وهي تزهو بأثوابها الجديدة، أنت تغرق في النوم وهي تعّج بالسفر. أنت تتحول إلى جزء من الماضي وهي تتحول إلى جزء من المستقبل.

هذه هي باريس التي يتغنى بها السياح دون أن يكتووا بعذاباتها، يشاهدون معالمها دون أن يروا خرائبها، ألم يصدق همنغواي عندما قال: يكفي أن تعيش في باريس مدة قصيرة لكي تتذكرّها طوال حياتك، فكيف يستطيع من أمضى نصف حياته في هذه المدينة أن يتذكرها؟
14