مدينة بغداد عاصمة العالم ومركزه السياسي طيلة قرون

الاثنين 2014/03/17
تميزت بغداد طيلة حكم العباسيين بأنها مركز لإمبراطورية إسلامية قوية

بغداد - كانت بغداد طيلة الفترات القديمة تشكل موطنا بشريا مهما يعود إلى العصر الأشوري. وما زاد الموقع أهمية هو البعد الجغرافي والإستراتيجي وتوسطه لمدن حضارية وإنسانية كبرى، تمتد من شمال العراق إلى جنوبه. ثم إن هذا الموقع الجغرافي والتاريخي مكن بغداد من أن تتبوأ موقعا متوسطا بين تلك المدن، الأمر الذي شكل بيئة ملائمة لتطور الإنسان وإنجازاته الحضارية والفكرية.

تقع مدينة بغداد شمال مدينة بابل الأثرية، وإضافة إلى أنها موجودة على بعد بضعة كيلومترات شمال غرب مدينة قطيسفون (أو المدائن) التي بناها الإغريق قبل الميلاد، فإنها قد استمرت كمركز رئيسي للبلاد حتى يومنا هذا.

وشيّدت بغداد في العصر العباسي بين عامي 762 و 764 م. وأًطلق عليها في القديم اسم “الزوراء” و”مدينة السلام”. وكانت ذات يوم تسمى بعاصمة الدنيا ومركز الخلافة الإسلامية نظرا لكونها عاصمة لأكبر امبراطورية إسلامية أيام حكم هارون الرشيد. بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وسماها “مدينة المنصور” على اسمه، وجعل لها أربعة أبواب هي: باب خراسان، وكان يسمى باب الدولة وباب الشام، ثم باب الكوفة، فباب البصرة. وكان المنصور قد اختار لها هذه البقعة من الأرض على ضفتي نهر دجلة.

ومن المعروف عن بغداد أنها تزخر بالكثير من المعالم التاريخية والحضارية، أهمها المدرسة المستنصرية، والمساجد الإسلامية القديمة، والقصور الأثرية، وبها عدد من المقامات الدينية، أهمها مقاما الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد بالكاظمية، ومقام أبي حنيفة النعمان، ومقام الشيخ عبدالقادر الجيلاني ومقام الشيخ عمر بن حفص السهروردي. ومن أشهر مساجد بغداد مسجد الإمامين الكاظم والجواد، ومسجد الشيخ معروف الكرخي، ومسجد الخلفاء العباسيين المعروف قديما بجامع القصر أو جامع الخليفة، وجامع الحيدر خانة وهو من أتقن جوامع بغداد صنعة وإحكاما.

وتوجد بالمدينة متاحف تعرض فيها الآثار المختلفة من جواهر وعملات وهياكل بشرية وتماثيل من عصور ما قبل التاريخ حتى القرن السابع عشر الميلادي. ومن شواهد الآثار الإسلامية التي تملأ بغداد نجد بقايا سور بغداد ودار الخلافة والمدرسة المستنصرية ومقر المعتصم ومسجده الشهير، كما تضم المدينة القصر العباسي والمشهد الكاظمى وجامع المنصور وجامع المهدي وجامع الرصافة والمدرسة الشرفية والمدرسة السلجوقية والمدرسة المستنصرية، وهو ما جعل بغداد من أهم المدن التراثية في العالم وأكثرها حظوة باهتمام الباحثين والمؤرخين والمنظمات الدولية الراعية للمدن التراثية والتاريخ الإنساني.

ويعود سبب بناء مدينة بغداد في العصر العباسي إلى كون أبي جعفر المنصور بنى مدينة “الهاشمية” قبالة مدينة “ابن هبيرة”بجانب الكوفة، وبنى المنصور أيضا مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة. لكن أمر السياسة والتجانس مع أهل المنطقة لم يتماشى مع أبي جعفر، فخرج عن الرصافة باتجاه مكان آخر هي بغداد، فقال عنها “هذا موضع معسكر صالح هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة وما حول ذلك”. فنزل فيها واستقر بها وجعل من الأراضي التي سيطر عليها بقاع نفوذه ووكل على بقعة قائدا يحكمها.

وقد اختار أبو جعفر المنصور موقع بغداد على رقعة مرتفعة من الأرض على الجانب الغربي من نهر دجلة عند مصب نهر “الرفيل” فيه. وكانت تحيط بهذا الموقع قرى مأهولة بالسكان مزدهرة، أهمها بغداد القديمة “وسونيا الآرامية” و”الخطابية” و”شرفانية” و”بناورا”، وكان هناك جسر على دجلة، ودير للنصارى. وكانت الأرض التي تحيطها سهلة زراعية تسقيها مياه تتفرع من نهر “الرفيل” الواسع الذي يأخذ من نهر الفرات ويبعد عن بغداد نحو 30 كيلومترا، ومن نهر “الدجيل” الذي يأخذ مياهه من دجلة في شمالها. وهذه الأراضي المزروعة كانت واسعة تنتج محاصيل زراعية وافرة، وتقابلها بشرق دجلة أراض منبسطة أيضا تروي مزارعها أنهار وترع عدة.

وبعد تأسيسها في عهد أبي جعفر المنصور، بلغت بغداد في عهد هارون الرشيد قمة مجدها ومنتهى فخارها، وامتدت الأبنية في الجانبين امتدادا عظيما، حتى صارت كأنها مدن متلاصقة لكثر سكانها والإقبال على أسواقها وتجارتها. وبعد وفاة الرشيد عام 809 للميلاد تمت البيعة لابنه الأمين في “طوس″ أولا ثم في “بغداد”، ويذكر التاريخ أن المدينة قد مرت في عصره بأهوال انتهت بقتله عام 814. ثم تمت مبايعة المأمون على إثر قتل أخيه، ولكنه لم يبرح خراسان وبقيت بغداد تئن تحت كابوس الحكم العسكري.

وفي منتصف القرن العاشر، استولى آل بويه على بغداد، والذين يرجع نسبهم إلى ملوك الفرس الساسانيين عام 945 بقيادة أحمد معز الدولة، والذي أعلن نفسه حاميا على الخلافة حتى 1055، حيث كان حكم الخليفة في بغداد صوريّا. وقد شجع البويهيون على نشر المذهب الشيعي في المنطقة. ما ولد صراعات كبيرة بين السكان الأولين بمذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم حتى ضعفت الدولة وخرّبت العمارة ليتسنى للسلاجقة الدخول بيسر والاستيلاء عليها.

12