مدينة تونسية تنبض بالأحلام من ركام الخيبة والتهميش

الثلاثاء 2014/08/05
تظاهرات ثقافية يزيل الشباب عبرها الخوف من الإرهاب الذي طوق المدينة

القصرين (تونس)- في هجرة عكسية مخالفة لقاعدة من يبحث عن مجد في المجال الفني، عاد شاب تونسي إلى محافظته القصرين (غرب) تاركًا العاصمة التي تمثّل الأمل والفضاء ليفتح مركزًا ثقافيًا على مقربة من جبل الشعانبي غير عابئ بدوي القصف الذي يقوم به الجيش التونسي على معاقل “الإرهابيين” في أحراش الجبل.

لم يأبه الشاب التونسي وليد الخضراوي بمخاطر العمليات الإرهابية التي أصبحت جزءًا من حياة مدينة القصرين التونسية بعد أن أصبح جبل الشعانبي معقلا للإرهابيين، حيث كان طموح وليد إقامة مشروع يساهم به في تنشيط المدينة التي تفتقر إلى المراكز الثقافية.

وقرر الخضراوي العودة إلى موطنه مدينة القصرين، التي غادرها للدراسة كطالب في العاصمة، في خطوة يراها وليد رد جميل لمدينته التي درس في معاهدها وتعلم فيها أبجديات المسرح.

وعن دوافع العودة من مدينة بها مقومات الإنتاج الفني والمسرحي إلى مدينة يصفها البعض بمدينة “القحط الثقافي”، يقول الخضراوي: “إثر الثورة احتلت مدينة القصرين وحي الزهور الذي ترعرعت فيه وشهد أولى تجاربي المسرحية، عناوين النشرات الإخبارية.

واعتقدت أن المرحلة هي مرحلة الفعل بعيدًا عن الشعارات الثورية، وحقيقة الفعل تجسدها العودة إلى موطني القصرين والمساهمة حقيقة في الفعل الثقافي باستثمار ثقافي أعتقد أنه استثمار في المجتمع”.
طموح الشاب وليد الخضراوي تفوق على الإرهاب

وقام الخضراوي بتحويل مستودع بأحد أحياء المدينة إلى مقر لـ”المركز الدولي للفنون المعاصرة” به مجموعة من الورشات تعنى بالفنون المعاصرة مثل المسرح والرقص والسينما والرسم والموسيقى.

ويهدف المركز، حسب الخضراوي، إلى “تكوين المواهب واكتشافها في كل الفنون، وخاصة الفنون المعاصرة، وإنتاج مجموعة من الأعمال الفنية تشارك فيها مواهب تدربت في المركز أو في فضاءات أخرى مثل نوادي المسرح والرقص الهاوية”.

ورغم صعوبات البداية وآلام مخاض يبدو أن المولود (المركز) بدأ في استقبال من تستهويهم منتوجاته الثقافية، فحسب الخضراوي مر أكثر من 250 شابًا بورش المركز في ظرف سنتين، وهو رقم في رأيه محترم ويعتبره دليل عطش شباب المنطقة إلى فضاءات تكسر نسق الأيام العادية في المدينة.

الأيام العادية التي مثّلت موضوع إحدى المسرحيات التي أنتجها المركز وأخرجها وليد الخضراويّ، وهي مسرحية “حالة عادية” في إيحاء إلى أن شيئا لم يتغيّر في القصرين بعد الثورة على جميع المستويات، وقد شاركت المسرحية في المهرجان الدولي للمسرح المدرسي في مرسيليا بمجموعة من تلاميذ المعهد الثانوي أبو القاسم الشابي بالقصرين في مارس 2013.

ووفقًا لمدير المركز، وليد الخضراوي، تمكّن المركز من إنتاج 4 أعمال فنية في ظرف سنة، وهي: عمل للأطفال بعنوان “كلوف كلون”، ومسرحية “الوقت الميت” عن نص للكاتب الأيرلندي صمويل بيكيت، و”عرض درويش” وهو عرض كوريغرافي راقص مع أحد عازفي الجهة، وعرض تنشيطي بعنوان شارلو.

المواضيع التي يحبّذ وليد العمل عليها فنيًا تنطلق حسب رأيه مما تعيشه المدينة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي بأسلوب فني يرتكز على الفنون المعاصرة، من خلال نقل صورة فنية جميلة لواقع قد يكون أكثر من قاس، من ذلك مسرحية “الحاوية” والتي جسّدت حياة شباب حي الزهور بالقصرين الذين ولدوا بعد 1987 وعاشوا ما اعتبره فترة من التهميش والإقصاء لمدة 23 سنة (فترة حكم بن علي) انتهت بهم إلى المشاركة الفاعلة في الثورة.

المدينة التي اختارها الخضراوي فضاءً لنشاطه، أين يشتغل على العروض التي تقام في الشارع لكسب الجمهور والتعريف بالمركز، تبدو فيها الثقافة في نظر البعض آخر الاحتياجات بفعل انتشار الفقر والبطالة، فضلا عن أكثر من سنة ونصف السنة من الإرهاب والعمليات العسكرية بجبل الشعانبي والجبال القريبة منه.

ورشات تنشيطية للأطفال في "المركز الدولي للفنون المعاصرة" بالقصرين

لذلك يرى الخضراوي أن “عمل المركز، بالتعاون مع المجتمع المدني والسلطات الجهوية، على إقامة تظاهرات كبرى سيجلب العديد من السياح وسيزيل حالة الريبة والخوف، فإذا لم تقنع أحدا بالقدوم للمشاركة في تظاهرة ثقافية كبرى لن يقدم أحد ما على زيارة المدينة”.

التظاهرات التي بدأ وليد، بالتعاون مع مجموعة من الناشطين، في بعثها والتي أثارت اهتمام الكثيرين، هي تظاهرة “فننا في شوارعنا” وهي مجموعة من الأنشطة والاستعراضات التي أقيمت في الشارع، ثم الدورة الأولى لمهرجان الشعانبي للمسرح المعاصر ربيع 2014 والعمل على تأسيس مهرجان مسرح الطفل الدولي المبرمج في ديسمبر 2014.

ويتمنى الخضراوي أن ينجح في تحقيق جزء من حلمه المتمثل في مشروع المركز، الذي يحب أن يطلق عليه تسمية “استثمار ثقافي” متأسيًا بما يقول إنها مقولة لأفلاطون “الفقر يولِّد الإبداع”، ليحول ما يعتبره البعض عائقًا أمام مثل هذه المشاريع إلى حافز له ومن معه على تكوين فرقة مسرحية محترفة، تنطلق من المركز، تستقطب مجموعة من المواهب بدل أن تجذبها الشوارع أو أفكار أخرى متطرفة، معادية للحياة، مستغلة الجفاف والفراغ الثقافي لشباب المدينة.

وتشهد الجبال المحيطة بمدينة القصرين، الشعانبي والسلوم وسمامة أعمالا إرهابية منذ ديسمبر 2012 عندما قتل الوكيل أول بالحرس الوطني التونسي، أنيس الجلاصي، في اشتباك مسلح مع عناصر مسلحة على سفوح جبل الشعانبي.

وأعلنت الحكومة التونسية منتصف أبريل الماضي، جبل الشعانبي وبعض المناطق المتاخمة له، ومنها جبل السلوم، منطقة عمليات عسكرية مغلقة، حيث ما تزال قوات الجيش والأمن التونسي تفرض طوقا أمنيا حولها باعتبارها معقل المجموعات “الإرهابية”.

20