مدينة سيدي أبو سعيد أثر عريق فوق سطح العالم

الاثنين 2014/03/24
احتفظت مدينة سيدي أبو سعيد بطابعها الروحي، وهي إلى اليوم ملتقى للفنانين والكتاب

تونس – تعد ضاحية سيدي أبوسعيد (أو بوسعيد كما يسميها التونسيون) الواقعة شمال العاصمة التونسية، تونس، أوّل موقع محميّ في العالم. ويعود تأسيس المدينة الصغيرة إلى القرون الوسطى، وأساسا إلى أيام حكم الحفصيين. وتقع سيدي أبو سعيد في أعالي المنحدر الصخري المطل على قرطاج وخليج تونس، وبعُلُوّهَا ذاك تعتبر من أجمل 13 قرية ومدينـة في العالم.

تتميز شوارع سيدي أبو سعيد بانبساطها وارتفاعها في الآن ذاته، فرغم وجود المدينة فوق سطح الجبل الشاهق المطل مباشرة على البحر، إلا أن الطريق إليها مفتوح، وعند الوصول إلى تقاطع طريق القدوم من ضاحية قرطاج صاعدا إلى مدينة، يعترضك المسلك المنحدر بشدة، والذي يمكنك من خلاله أن تصل إلى مقام الولي سيدي أبو سعيد، وأن تمرّ بديار المدينة وأزقّتها ومتاجر التّحف والصناعات التقليديّة على جانبي الطريق.

وتعد منطقة سيدي أبو سعيد، المنطقة الأقرب من بين المناطق الأخرى المتاخمة لقرطاج التاريخيّة، التي بنيت في العام 814 قبل الميلاد، بعد قدوم الفينيقيين إليها من السواحل الغربية للبنان، وتحديدا من صيدا. وقد كانت منطقة سيدي أبو سعيد في ذلك الوقت مكانا لتدرب الجنود القرطاجيين وتخزين المؤونة وصناعة السفن الحربية والتجارية، التي اشتهر بها القرطاجيون منذ 3000 سنة. وتعدّ منطقة سيدي أبو سعيد، بموقعها المتميز المطل على البحر من خلال المرتفع الشاهق، مكانا استراتيجيّا تتم منه مراقبة البحر وحماية السفن وتوجيه المسافرين البحريّين عبر المنارة التي كانت فوق الجبل، فقد كان القرطاجيون من المهتمين كثيرا بشؤون البحر وخصائصه، خاصة وأن الحروب التي خاضها “جنود عليسة” مع الرومان كانت أساسا في البحار. فقد كان جبل سيدي أبو سعيد، يسمى”جبل المرسى” ويسمى أيضا “جبل المنار”. وما فتئ هذا الجبل الصغير يوفر الأمن والمراقبة والدفاع عن قرطاج الفينيقية في القرن السابع قبل الميلاد، ولمدة طويلة عن مدينة تونس، وذلك منذ بداية الفتح الإسلامي إلى القرن الثاني عشر. فقد كان جبل سيدي أبوسعيد يقوم بدور الحصن، ومنذ نهاية القرن الماضي، عُوّضت تسمية “جبل المنار” رسميا باسم”سيدي بوسعيد”، عندما تمّ إحداث بلدية في هذا المكان سنة 1893.

ما يميز المدينة فعلا، هو المعمار الّذي يدل الزائرين مباشرة على أنهم في مدينة سيدي بوسعيد. لا لون يعلو فوق لوني الزرقة والبياض. كل الأبواب والشبابيك ملونة بالأزرق القاني، وملتحمة بجدران وأسقف المنازل البيضاء الناصعة. ويعود سبب اختيار هذان اللونين الأزرق والأبيض، إلى رغبة من مؤسس المدينة “أبو سعيد الباجي”، مفادها تفضيله للزرقة والبياض تيمنا بالبحر الأبيض المتوسط الذي تطلّ عليه القرية من قمم الجبل الشاهقة.

ويرجع الاسم الذي أطلق على القرية الجميلة إلى الولي الصالح “أبو سعيد”. هذه الشخصية التي تركت اسمها لهذه المدينة صاحبة الشهرة الكبيرة. وهو أبو سعيد خلف بن يحي التميمي الباجي، ولد سنة 1156م في مدينة باجة القديمة، وهي قرية صغيرة كانت في أحواز تونس قرب منوبة واندثرت منذ زمن بعيد، لتصبح الآن مركز محافظة فلاحية معروفة بإنتاجها الوفير للقمح والخضروات والكثير من الثمار الأخرى، وتوفّي أبو سعيد الباجي في قريته الّتي تسمى باسمه سنة 1231م.

20 كلم شمال شرق تونس العاصمة، تقع مدينة سيدي أبو سعيد

5000 شخص، هو عدد سكان سيدي أبو سعيد

12يناير 2013، تم حرق مقام سيدي أبو سعيد من قبل متطرفين

وقد أقام سيدي أبو سعيد في بداية حياته بتونس المدينة، قرب جامع الزيتونة المعظم لتلقي الدروس الفقهية والعلوم الشرعية والقرآن وأصول الشريعة. وقد كان ذلك في عصر انتشرت فيه الطرق الصوفية في شمال أفريقيا ومناطق أخرى من أفريقيا جنوب الصحراء مثل مالي والنيجر، وذلك بعد ظهور التصوف في الشرق العربي وأقصى الشرق، إلى أن تجذّر في المغرب العربي وخاصّة في تونس منذ القرن الـ 12 للميلاد.

ولقد تمّ انتظار بداية القرن الثامن عشر للميلاد، ليبادر حسين باي ببناء جامع الزاوية الذي يشمل ضريح “سيدي أبو سعيد”. و قد بنى محمود باي باشا، الذي حكم الإيالة التونسية بين 1814 و 1824، مسكنا بالقرب من مسجد الزاوية ( والذي أصبح فيما بعد يعرف باسم دار ثامر)، ومنذ ذلك الوقت شيدت عائلات عديدة، وخاصة سكّان “البَلْدِيّة” من مدينة تونس، منازل على التلّ وحول مقام “سيدي أبو سعيد”، لقضاء الصيف فيها.

وبالنسبة لمقام سيدي أبو سعيد، فهو عبارة عن زاوية عتيقة، تميزها زخارف ذات طابع حفصي وعثماني وعربي واضح. يبدأ الصعود إلى الزاوية من خلال درج عتيق وضيق يعلوه بياض الجير التقليدي. وينتهي الدرج إلى باب عال في نفس حجم عرض الدرج، تدخل الزاوية لتعترضك ردهة مربعة الشكل تفتح على فضاء آخر على يمين الزائر، أين تُوجد غُرف القائمين على الزاوية وغرفة مقام الولي. ويتميز المكان بوجود أعمدة ملونة بالأخضر والأحمر، تعلوها زخارف ونقوش قديمة تعبر عن فن العمارة الإسلامية، كما تعلو جدران المقام عموما قطع من الرخام ملونة، ذات طابع خاصّ بالتونسيين وبعض الأبنية الأخرى الموجودة في الجزائر والمغرب. ولدى زيارة المقام، توجد طبعا طقوس معينة يمارسها مريدو الشيخ أو حتّى بعض الزوار والفُضُوليّين.

فقد وهب أبو سعيد ـ كما يقال من قبل القائمين على الزاوية ـ نفسه للتأمل والتمارين الروحية، فعندما ينهي دوره في المراقبة كان يتفرغ للصلاة ويقدم دروسا لتلاميذه الكثيرين، ومن بينهم أبو الحسن الشاذلي (سيدي بلحسن)، وهو ولي آخر يوجد مقامه في مكان آخر من تونس العاصمة، فوق منحدر مقبرة “الجلاّز” في مدخل العاصمة تونس من جهة الجنوب. وهو من الأولياء المعروفين أيضا بطريقة صوفية خاصة به هي الطريقة “الشاذلية”.

ولقد بقي برزخ جبل المنار خاليا من الناس لمدة طويلة، بيد أن “سيدي أبو سعيد” أعطاه مكانة متميّزة في أعين المجموعة المتدينة أو المتصوفة. وبعد وفاته استمرت القرية في اجتذاب كلّ من كانت له استعدادات للسعي وراء التأمل. ومن ثمّة وجد عديد المتزهدين ملجأ في تلك المنطقة مثل “سيدي الظريف” و”سيدي بو فارس” و”سيدي الشبعان” وآخرون. حتى أنّ هذه العادة بقيت إلى اليوم، لتصبح مدينة سيدي أبو سعيد مكانا للقاءات بين المثقفين والفنانين والكتّاب، نظرا لهدوء المكان وجماله وإطلالته على البحر.

وبذلك أصبح التل مكانا للاصطياف، حيث يقضي الناس عطلة الصيف ويستفيدون من طيب المناخ والعيش والتسلية في جو من الورع الديني، إذ كانت تقام احتفالات صوفيّة كثيرة في المنطقة من أهمّها “الخرجة”.

12