مدينة شرارة الثورة السورية تنطفئ بين الحصار والدمار

الأربعاء 2014/03/12
معارضو حمص يخشون أن يدفعهم الحصار إلى التخلي عن مدينتهم

بيروت- وجد الناشطون والمقاتلون المعارضون في مدينة حمص، والذين كانوا في طليعة المحتجين ضد النظام السوري، أنفسهم يدافعون عن أحياء مهجورة ومدمرة وجائعة، إلا أنهم يتمسكون بها خشية أن يؤدي تخليهم عنها، إلى خسارتهم كامل المعركة.

واعتبرت حمص (وسط) "عاصمة الثورة" ضد الرئيس بشار الأسد، وكانت منذ منتصف مارس 2011، مسرحا للتظاهرات السلمية والاعتصامات التي طبعت الأشهر الأولى من الاحتجاجات ضد النظام.

إلا أن هذا الأخير تعامل مع الحراك بطريقة صارمة، فأوقف آلاف المحتجين، وأطلق النار على التظاهرات. وبعد أشهر، تحولت الاحتجاجات السلمية إلى نزاع دام، وقصفت القوات النظامية أحياء معارضة لمدة أسابيع وأحيانا أشهر دون توقف.

وبقيت أحياء في وسط المدينة تحت سيطرة مقاتلي المعارضة، إلا أنها تخضع منذ عشرين شهرا لحصار خانق. ويخشى هؤلاء أن يدفعهم الحصار، وتقدم النظام في مناطق أخرى، إلى الخروج من مدينتهم.

ويقول ثائر، وهو ناشط معارض يبلغ من العمر 25 عاما، إن "الخوف حاليا هو أن يسيطر النظام على ما تبقى من أحياء حمص المحاصرة".يضيف هذا الشاب الذي عمل بائعا للمجوهرات في حي الخالدية الذي استعادته القوات النظامية بعد حملة عسكرية شرسة "إذا حصل ذلك، ستنتهي الثورة، وسنطرد من بالنا فكرة أن يعود أهلنا وسكان هذه الإحياء". ويقول إنه في حال حصول ذلك "سيتمكن النظام بسهولة من أن يسيطر على ما تبقى من سوريا".

وبات وسط حمص والأحياء المحيطة به، أشبه بمدينة أشباح مدمرة بشكل كامل، إذ يغطي الركام الشوارع، ويخفي خلفه منازل فارغة. إلا أن المعارضين ما زالوا يتشبثون بهذا المكان الذي يحمل رمزية عالية، وهم مصممون على ألا يسمحوا للنظام بان يحقق فيه مكسبا يستثمره إعلاميا.

ويقول الشيخ أبو الحارث إن "الثوار لا يدافعون عن حجارة بقدر ما يدافعون عن رمزية حمص كعاصمة للثورة".

وحتى شهر خلا، بقيت هذه الأحياء من دون أي غذاء أو دواء منذ يونيو 2012، ما دفع السكان إلى الاقتتات من الأعشاب. وعلى مدى أسبوع في فبراير الماضي، أشرفت الأمم المتحدة على إدخال مساعدات غذائية وخروج نحو 1400 مدني محاصر.

إلا أن قرابة 1500 شخص ما زالوا محاصرين، ويواجهون خيارين: إما البقاء والمعاناة، أو مغادرة الأحياء التي دافعوا عنها في أحلك الظروف.ويقول ثائر إن ثمة "ما يقارب مئة جريح داخل أحياء حمص، في حاجة ماسة للعناية الصحية".

كما يواجه مقاتلو المعارضة خيارات صعبة، بعدما رأوا اللحمة التي جمعتهم في الأيام الأولى للنزاع تتفتت، إذ اختارت بعض المجموعات تلقي أوامرها من أشخاص خارج المدينة، في حين استغلت مجموعات أخرى الفوضى لتحقيق مكاسب ذاتية.

ويبدو ضياء أبو جهاد الذي كان يعمل في مجال الكهرباء قبل أن يحمل سلاحا، ضائعا بين خيارين صعبين.ويقول هذا الشاب البالغ من العمر 24 عاما "إذا بقيت على الجبهة (...) أكون احمي تجار الثورات. وإذا تركتها، أكون خائنا لرفاقي الذين استشهدوا ولم يسمحوا للجيش أن يدخل ويحتل حمص كلها".

وأدى النزاع السوري إلى مقتل أكثر من 140 ألف شخص. ويستعيد الناشطون ذكريات بداية الاحتجاجات ضد النظام، كفترة حراك عفوي سلمي قاده شبان بوحي من حركات "الربيع العربي"، ونزلوا إلى الشوارع للمطالبة بإنهاء النظام الذي يحكم سوريا منذ أكثر من 40 عاما.

كما يستذكرون الحملة العنيفة التي شنتها القوات النظامية ضد حي بابا عمرو في فبراير 2012، والتي أدت إلى مقتل المئات، وساهمت إلى درجة كبيرة في عسكرة النزاع.

ويبدي العديد من الناشطين تفهما للأسباب التي دفعت العديد من الشبان لحمل السلاح ضد النظام، والتحول إلى مقاتلين يدافعون عن أحيائهم ومنازلهم، إلا أنهم يسجلون ملاحظات على تصرفات بعض هؤلاء.

ويقول الناشط يزن (29 عاما) إن "ما أعرفه بأنه ثائر، يخرج من منزله ويقاتل ويضرب العدو ويعود نهاية الليل إلى أهله ليرى أمه، يتناول الطعام، ثم يهرب مجددا عبر سطح المنزل قبل بزوغ الفجر".

ويضيف هذا الشاب أن "ما حصل هو العكس"، مشيرا إلى أن العديد من الشبان حولوا الأحياء التي كانوا يقيمون فيها، إلى ساحة حرب.واستفاد العديد من الأشخاص السيئ الصيت من هذا الوضع لتحقيق مكاسب ذاتية. ويقول يزن "من يعرف بأنه أزعر، بات قائدا مدعوما لمجموعة مسلحة".

وأرغم القتال عشرات الآلاف من عائلات حمص على مغادرتها، وباتوا جزءا من ملايين السوريين الذين لجأوا إلى الدول المجاورة، أو باتوا نازحين في مناطق أخرى من سوريا.

ويقول الناشط أبو فهمي، المتطوع في احد المستشفيات الميدانية، إن ثمة حديث عن التوصل إلى "مصالحة" ما في حمص، على غرار تلك التي عقدت في الأسابيع الماضية بين النظام ومقاتلي المعارضة قرب دمشق، مشيرا إلى أن "أي نتيجة ملموسة" لم تتحقق بعد.ويبدي يزن خيبته من أن أحدا لم ينجد أحياء حمص المحاصرة من المأساة التي تعيشها. ويقول "كنا نعتقد أن الناس لن يتركونا لنموت هنا".

1