مدينة طرابلس العتيقة تقاوم تداعيات الحرب في ليبيا

الخميس 2015/04/16
قوس ماركوس أوريليوس الروماني يعكس ثراء الحضارات التي مرت بالعاصمة

طرابلس- رغم ما شاب حركتها الحثيثة من تراجع غير مسبوق، لا تزال مدينة طرابلس القديمة صامدة، بعمارتها وأسواقها وصنّاعها، أمام أهوال حرب تغيب فيها سلطة الدولة في ليبيا، ومع أنّ الجماعات المتنازعة لم تهدأ ولم تتمكّن بعد من وضع حدّ للفوضى المستشرية في البلاد، فإنّ أهلها وحِرفييها أبوا إلاّ المكوث حيث كان أجدادهم للمحافظة على موروث مهدّد، وانتظار يوم موعود لانقشاع ما خيّم عليها من غيوم مظلمة.

يحني عبدالوهاب ظهره وهو يجلس على كرسي خشبي عتيق، مثبّتا نظره على مطرقة يدق بها قطعة من النحاس في المدينة القديمة للعاصمة الليبية، التي تحاول تخطّي تبعات الحرب مع تراجع المبيعات وانحسار الحماية الرسمية لمعالمها التاريخية.

يواصل عبدالوهاب السعودي عمله لساعتين، ويرفع ما إن ينتهي قاعدة هلال برونزية، يدقّق في تفاصيلها للحظات ويضعها جانبا، ثم يأخذ قطعة جديدة من النحاس، يبدأ معها ساعتين جديدتين من العمل.

هذا توصيف مختصر لحال الحرفيين في أسواق مدينة طرابلس القديمة، لا يكلّون من مواصلة العمل والجهد، رغم قلّة الإقبال على ما يُصنّعونه. يقول عبدالوهاب “ليس هناك من مبيعات حاليا. نحن نصنع ونخزن فقط”.

تداعيات النزاع

على مقربة من طرق النحاس، جلس مختار رمضان ينتظر زبائن، قد لا يأتون بفعل تغيّر الأحوال واستشراء الفوضى. يؤكد مختار “نعاني من مشاكل كثيرة، فالمادة الخام مفقودة بعدما أصبحت طرق وصولها إلينا صعبة، ونسبة المبيعات تراجعت بعدما انعدمت السياحة، وغادرت اليد العاملة الأجنبية وخاصة المصرية البلاد”.

الحرب المستمرة بين القوات الموالية للسلطتين تُرخي بظلالها على اقتصاد البلاد، وتطال تبعاتها المدينة القديمة في شمال طرابلس التي تزخر بالأسواق

وأضاف “لا أبيع سوى 15 بالمئة ممّا كنت أبيعه قبل 2011، لكن لا يمكن أن أغلق المحل الذي ورثته عن أجدادي في مهنة تمارسها عائلتي منذ 150 عاما. نحن باقون هنا لحماية هذه الصناعة وراضون بنصيبنا”.

وشهدت طرابلس الصيف الماضي معارك عنيفة بين ميليشيات وجماعات مسلحة انتهت بسيطرة ميليشات “فجر ليبيا” على العاصمة في أغسطس، وهي تضمّ خليطا متحالفا من الجماعات الإسلامية تقودها جماعة الإخوان المسلمين.

الجدير بالذكر أنّ المشهد السياسي الليبي قد انقسم إلى فصيلين متنازعين أساسيين، يحكمان ليبيا، دون اعتبار الجماعات الإسلاميّة المسلحة والميليشيات الكثيرة المنتشرة في كلّ أرجاء ليبيا.

وتنقسم السلطات الليبية، مع انتهاء المعارك، بين سلطتين، فمن جهة تتشكّل من حكومة عبدالله الثني التي تتخذ من شرق البلاد مقرّا لها، يسندها الجيش الليبي ويعترف بها المجتمع الدولي لأنّها نشأت من رحم انتخابات عامّة سجّلت خسارة جماعة الإخوان، ومن الجهة المقابلة من حكومة مناوئة مازالت متشبثة بالمؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، وهي تبسط سيطرتها السياسية على العاصمة بمساندة ميليشيات “فجر ليبيا” التي تضمّ بالأساس جماعة إخوان ليبيا.

عراقة الأسواق

الحرفيون صامدون في المحافظة على إرث الأجداد

وتُرخي الحرب المستمرة بين القوات الموالية للسلطتين بظلالها على اقتصاد البلاد، وتطال تبعاتها المدينة القديمة في شمال طرابلس التي تزخر بالأسواق وعددها 22 سوقا، من بينها سوق النحاس وسوق الحرير وسوق الكتب وسوق الصاغة أي سوق الذهب، فضلا عن سوق الترك وسوق الرباع القديم المسمّى أيضا سوق العرب وسوق اللفة أو سوق الرباع الجديد وسوق القزدارة وسوق القويعة وسوق الرقريق أو سوق الفرامل، وما إلى ذلك من سوق النجارة وسوق العطارة، وغيرها. وتمتد مدينة طرابلس القديمة على مساحة تبلغ نحو 48 هكتارا، وقد تأسّست في القرن السادس قبل الميلاد على أيدي الفينيقيين القادمين من لبنان.

حسام باش إمام، مستشار جهاز إدارة المدن التاريخية، يقول واصفا إيّاها “المدينة القديمة قلب الحياة في ليبيا، والليبيون مرتبطون عاطفيا بها بشكل كبير”. ويضيف “لقد تعرّضت هذه المدينة على مرّ الزمان إلى هجمات ومرّت بصعاب كثيرة، لكنها لم تندثر، وبقيت في مكانها”.

تضمّ المدينة القديمة، إلى جانب أسواقها، كنزا من المواقع التاريخية والأثرية، بينها مسجد الناقة الذي يصنفه مؤرّخون على أنه أحد أقدم مساجد شمال أفريقيا حيث بني في القرن العاشر الميلادي، بالإضافة إلى كنيسة يسوع الملك التي تعود إلى عام 1829.

ومن سمات المدينة العتيقة تعدّد مساجدها وجوامعها الفسيحة بعمارتها العتيقة، ومن أهمّها إلى جانب جامع الناقة، جامع قرجي وجامع درغوت وجامع بن موسى وجامع شايب العين وجامع أحمد باشا القرملي وجامع الشان شان وجامع الخروبة وجامع سيدي سالم وجامع محمود خازن دار وجامع سيدي عبدالوهاب وجامع الشيخ الحطاب وجامع الدروج.

في بوابة المدينة من جهة البحر، يرتسم قوس ماركوس أوريليوس الروماني، فيما يتوسّط برج الساعة، الذي بدأ بناؤه على أيدي العثمانيين عام 1866، ساحة فسيحة تؤثث بخضرتها المكان.

وللسور المحيط بالمدينة القديمة ثمانية أبواب كانت تحمي طرابلس القديمة من جور الغزاة، غير أنّ أغلبها هُدّم على مرّ العقود. وأمام قوس أوريليوس تحديدا كان باب البحر، المكوّن من بوّابتين مزدوجتين، يتخذ مكانه هنا حاميا ظهر المدينة، لكنّ الإيطاليين لم يتردّدوا في هدمه أثناء احتلالهم للبلاد.

المدينة القديمة تشتهر خصوصا بأزقّتها المتفرّعة من شوارعها الكبرى، ومن بينها “الزنقة الضيقة” التي تشمل ممرّا صغيرا بين مجموعتين من المنازل تربط بينهما قنطرتان صغيرتان

وعلى مقربة من القوس الروماني، يوجد أوّل منزل سكنته بعثة قنصلية فرنسية في ليبيا منذ بدء العلاقات بين البلدين في 1630. كما تحتفي المدينة القديمة بوجود عدد من المباني الأثرية، كانت مقرّات سابقة لعدد من قنصليات دول أخرى مثل أسبانيا والولايات المتحدة.

تشويه العمران

تحيط بالمدينة القديمة، من جهتها الشمالية الشرقية، قلعة طرابلس المسماة بالسراي الحمراء، وهي تحوي متحفا أغلقت أبوابه بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة، وتطلّ على ساحة الشهداء التي كانت تُسمّى في زمن نظام معمّر القذافي “الساحة الخضراء”.

يرى باش إمام، وهو أيضا باحث في قضايا التراث العمراني، أن أكبر مشاكل هذه المدينة لا يتمثل في تراجع المبيعات فيها بفعل الوضع الأمني، بل في “عدم قدرة الدولة على التحكم بالفوضى فيها”.

ويوضح “هناك تشويهات تطال مبانيها التاريخية، ومن بينها تغير ألوان طلائها من الأبيض إلى ألوان أخرى، وتغير أشكالها. كما هدمت حتى بعض الأضرحة التي تعود إلى مئات السنين على أيدي متشدّدين”. هكذا يصف باش إمام ما حلّ ببعض المعالم الأثرية والتراثية والدينيّة من تدمير بأيدي مسلّحي جماعات متشدّدة، في مدينة غالبا ما عُرف أهلها بالتسامح وقبول الآخر.

استطرد الباحث الليبي، قائلا إنّ أجهزة “الدولة لا سيطرة حقيقية لها حاليا، وهذه هي مشكلتنا الرئيسية”، ملمّحا بذلك إلى غياب الأمن وحلول الفوضى وقانون الغاب محلّه.

الكنيس اليهودي في طرابلس القديمة مازال صامدا رغم الإهمال

وتشتهر المدينة القديمة خصوصا بأزقّتها المتفرّعة من شوارعها الكبرى، ومن بينها “الزنقة الضيقة” التي تشمل ممرّا صغيرا بين مجموعتين من المنازل تربط بينهما قنطرتان صغيرتان، و”زنقة بن محمود” التي تمتد بطول نحو عشرة أمتار فقط وهي عبارة عن مدخل يؤدّي إلى منزلين طليت جدرانهما بالأزرق والأبيض.

مقاومة وصمود

يرتسم في المدينة القديمة أيضا دار بيشي، وهو كنيس يهودي يُشكّل معبدا ضخما، أغلق منذ خمسة عقود، وتحديدا منذ أن غادر آخر اليهود مدينة طرابلس عام 1967 بعد حرب الأيام الستة، ولا تزال نجمة داود تعلو جانبه الأيمن من الخارج قرب كلمات نقشت باللغة العبرية.

يقع كنيس دار بيشي في ما كان يُعرف بالحي اليهودي، وقد أغلقت مداخله، وسُدّت نوافذه، ما عدا نافذة واحدة تطلّ على ما يحتويه المعبد حاليا من أعمدة، وقطع من الخشب، وملابس بالية.. وفي كلّ الأحوال فإنّ بقاء بناء الكنيس اليهودي صامدا يُدلّل على التسامح الذي يتسم به الليبيون على مرّ التاريخ.

في سوق الحرير، يحرّك جمال مصطفى محمود قطعة خشبية صغيرة علّق فيها خيط أبيض طويل فوق مجموعة من الخيطان الحريرية، وهو يجلس خلف آلة خشبية ضخمة يصنع من خلالها فساتين لحفلات الزفاف والمناسبات الاحتفاليّة الأخرى.

يقول محمود، البالغ من العمر 60 عاما، “نحن مرتبطون روحيا بهذه الصناعة، أبي عاش هنا، وجدي كان هنا، وأسرتي أيضا، بغض النظر عن الماديات وما تعنيه”. “المدينة القديمة هي الأكسيجين الذي نتنفسه، هي التاريخ بحدّ ذاته. تخرج منها مشايخ وعلماء وأطباء، ومرّ عليها الكثير، وستتغلب على الصعاب بطيبة ناسها وأهلها”. هكذا يختزل ابن طرابلس توصيف مدينته القديمة، متجنبا الحديث عن أوضاعها المتغيّرة.

20