مدينة غريبة يسعى الجميع للارتماء في أحضانها

للمدينة أثر عميق في وعي الروائي، إذ يتفاعل معها معايشة وتذكرا وتخيلا، ولا يتعامل معها كحيز جغرافي فحسب، وإنما بخاصة كحيز إنساني؛ فعندما يصف الروائي المدينة، لا يفعل ذلك على طريقة الجغرافيين الذين ينقلون تفاصيل المكان بشكل حيادي، هنا يصبح المهم ليس ذكر اسم المدينة ولا ملامحها، بل تحضر تمثلاتها ودلالاتها في تداخل واضح بين الواقعي والمتخيّل، مع إبراز رؤية الكاتب وتوجهاته في رسم شخصياته وأحداثه.
الاثنين 2016/09/26
حكايات خلف أبواب المدينة الغريبة (لوحة للفنان عبدالرؤوف شمعون)

مع كل رواية جديدة لروائي جديد يقتحم الساحة الروائية الغاصة بالأسماء والروايات، أفكر مليا في هذه الغواية الفاتنة المسماة “رواية”. لماذا اللجوء إلى خدعة الفن الروائي ليبسط الكاتب أفكاره؟ أهو التستر خلف هذه الاستعارة التي تحمي كاتبها من المساءلة القانونية والمجتمعية بدعوى أنه يكتب عالما متخيلا؟ ثمة إشكاليّات إذن في هذه الممارسة العلنية لفض الكثير من مشتهيات الأفكار ومشتبهاتها، والحديث عنها، وكأن الكاتب يتخذ موقعا وسطا، مرتفعا ساميا، ليتحدث دون مواربة عن تلك المهزلة الّتي يقدّر أنّها ستكون بحجم كارثة كونيّة. كلّ هذه الهواجس داخلتني وأنا أقرأ رواية “المهزلة: وجوه رام الله الغريبة” للكاتب الشّاب محمد جبعيتي.

يتوارى المؤلف في عمله، الصادر عن المكتبة الشعبيّة (ناشرون)، نابلس (2016)، خلف قناع الرواية ليقدم شهادته الخاصة على مجتمع رام الله الحديث، المفتون بالمال والسياسة والنساء والفساد والعلاقات غير المشروعة إلى حدّ الشذوذ الجنسي. فيصرح جبعيتي بأنّ المهزلة تتجسد “في كل شيء حولنا؛ سعينا وراء السلطة والمال والشهوة، والهوس بالشاشات والبدلات الرسمية، إننا نبتعد عن إنسانيتنا في كل يوم”.

وجوه المدينة

لم يترك الكاتب للقارئ شيئا من تأويل أو تفسير لتوضيح وجوه المدينة الجديدة، فكما أنه فسر مدلول المهزلة، فقد فسر أيضا مدلول هذه الوجوه، فحدّدها بقوله “كم وجها لمدينتك يا ميرا؟ وجه للحبّ، وجه للحرية، وجه لسياسات البتر والاستغلال، وجه مادي طبقي”. ولم يكن ذلك فقط، بل وقع الكاتب في فخّ تفسير المواقف وتعليلها وشرح الحدث ومدلولاته الفكرية في مواطن كثيرة من المتن الحكائي، مما جعل البناء الروائي شكلا خارجيا موهوما، يسير بنا نحو منعطفات شهادات يومية على ما يحدث في مجتمع المدينة الموصوفة في الرواية بمدينة “الأسود والقرميد الأحمر”.

لعل التحولات القسرية السريعة ذات الطابع السياسي والاقتصادي لمدينة رام الله، تغري الكثير من الكتّاب ليكتبوا عن هذه المدينة “الزائفة” المنتفخة كالورم السرطاني، وعن تحولها إلى عاصمة سياسية واقتصادية وثقافية للشعب الفلسطيني، ولم تكن مهزلة الجبعيتي الوحيدة في ذلك، فهناك رواية “رام الشقراء” لعبّاد يحيى، ورواية إبراهيم جوهر “أهل الجبل”، ولم تسلم الكثير من الروايات الصادرة حديثا من الحديث عن أجواء رام الله وما فيها من دنس المال ورجس السياسة، ويكفي أن أشير هنا إلى كتاب “حلم رام الله.. رحلة في قلب السراب الفلسطيني” لبنجامين بارت، الذي كان له الفضل -ربما- في فتح فوهات محابر الكتّاب ليكتبوا عن رام الله بهذا الشّكل الهجائي التشهيري، ويفضحوا متناقضاتها الطارئة التي استقرت وجها من وجوهها، على الرغم من أنها لم تكن المدينة الوحيدة التي تعاني مما تعاني منه هذه المدينة الضحية، ولكنها ضحية مُجَرَّمة وشرسة.

وينبغي أن ألفت النظر هنا أيضا إلى كتاب “رام الله التي هناك” للكاتب محمود شقير، الذي وقف مضادا لتلك الموجة في الكتابة عن مدينة رام الله، لكونها مدينته الثانية الّتي يحبها كما يحب القدس. ولعله الوحيد من بين الكتّاب جميعا من حاول إنصاف هذه المدينة الفلسطينية العريقة، وتقديم وجه حضاري لها.

رواية عن سادية الاغتصاب في الكتابة

رواية الفكرة

في هذا السّياق من موجة الكتابة عن رام الله تأتي رواية “المهزلة” لجبعيتي، لتمس مسا فكريا وسرديا ما في هذه المدينة من فواحش، بدءا من العلاقات الفردية والنزوع نحو ممارسة الحرية الشخصيّة، وصولا إلى عالم السياسة والمال.

إنّها رواية الفكرة التي تتمسح بعناصر الفن الروائي كي تقدم مواقف كاتبها، لذلك سيجد القارئ للرواية شكلا غائما، مع أن الرواية ليست ذات شكل واحد، فالشخصيات تسير بقدر ما يودّ تجسيده كاتبها المحكوم بفكرة مسبقة؛ فيقلّ الحوار بين الشخصيات وينتهي على عجل، ويقفز الزمن الروائي إلى الأمام، غير معتن برسم التفاصيل الروائية.

ومن جهة أخرى تسيطر على السرد المناقشة الفكرية وتوضيح الحالات السياسية والاجتماعية والثقافية، ويكاد ينعدم فيه الوصف الخارجي للأشياء والمكان والشخصيات، وترتفع نبرة البوح الذاتي، ليفرد لها الكاتب الفصل الثالث حيث يكتب لؤي السيلواني مجموعة من اليوميات معبرا عن حلمه المهزوم بفقدان زوجته ميرا. فتبدو اللغة في هذا الجزء الملحق بالرواية لغة أخرى بطبيعتها دون أن تضيف جديدا إلى البنية الروائية، سوى إعادة جزء من الأفكار الواردة في الفصلين السابقين.

ربما لم يقدم هذا العمل ما هو جديد في عالم الرواية الفلسطينية، باعتبار أنه لم يكن أول مرتاد للبحث في وجوه رام الله الجديدة، ومع ذلك تعمّق الرواية النظرة السلبية إلى هذه المدينة؛ هذه النظرة المفتعلة غير الحقيقيّة، فكل من رجمها وأفاض في هجائها بأنها مدينة للفسق والإجرام والفساد،

يسعى إلى أن يرتمي بين أحضانها ويمصّ حليبها. فلم تكن رام الله مدينة قاتلة، إن أصحاب الوجوه الغريبة وحدهم من دفعوها إلى أن تكون مومسا، إنهم ساديون في تعذيبها واغتصابها مرة بعد مرة في كل كتابة جديدة.

14