مدينة مليحة في الشارقة تروي حكايات الإنسان الأول

مليحة هي المستقبل، ومليحة هي ذاكرة الشارقة، فهي مدينة تحتوي على مخزون تاريخي يعدّ وثيقة هامة لاكتشاف نشاط الإنسان الاقتصادي والعسكري منذ العصر الحجري، وتسعى السلطات في الإمارة إلى تحويل مليحة إلى مزار للسياح المهتمين بالتراث والثقافة وتاريخ تطور الإنسان.
الأربعاء 2017/10/04
مليحة وجهة للسياحة الثقافية والبيئية

الشارقة- تسرد مدينة مليحة بالشارقة حكايات الإنسان قبل الآلاف من السنين وتؤكّد بمكوناتها الأثرية الفريدة على كثافة عناصرها الجاذبة وضخامة إرثها الطبيعيّ الساحر والدّال على أهميتها التاريخية وكونها واحدة من أبرز الملامح الطبيعية النادرة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة بصفة عامة.

وتنبع قيمة مليحة من كونها عنصرَ جذب ثقافيا وحضاريا هاما ومتجددا، نظرا لأنها واحدة من المناطق القليلة في المنطقة التي تحتضن دلائل واكتشافات تشير إلى حياة سكنت المكان وجابت معالمه وأركانه تاركة آثارها تحكي حكايات العصور الخمسة التي تعاقبت عليها.

ويتواصل توافد بعثات التنقيب الأثري من العالم إلى إمارة الشارقة لاستئناف موسم جديد من حملات التنقيب الأثري في مواقعها منذ مطلع العام الحالي 2017. وكانت البعثة الأثرية البرتغالية من أوائل البعثات حيث باشرت ولأول مرة أعمالا للتنقيب عن بقايا القلاع والحصون البرتغالية على الساحل الشرقي لإمارة الشارقة.

واستأنفت البعثة الأثرية الأميركية من جامعة براون بنسلفانيا البحث في موقع تل الأبرق الواقع على خط الحدود بين إمارتي الشارقة وأم القيوين واستطاعت البعثة العثور على بقايا بنائية وتحصينات دفاعية ضخمة إضافة إلى العديد من اللقى الأثرية. وعملت البعثة كذلك في موقع مويلح الواقع خلف الجامعة الأميركية بالشارقة والذي يضم بقايا مستوطنة كبيرة تعود إلى العصر الحديدي في الألف الأول قبل الميلاد.

توفير البنية التحتية لاكتشاف الكنور الأثرية

واستهلت البعثة الألمانية موسمها التنقيبي بالاشتراك مع البعثة المحلية في السفوح الغربية من سلسلة جبل البحيص الواقع في سهل المدام وتمكنت من العثور على طبقات تعود إلى العصر الحجري الحديث. وتواصل بعثة التنقيب الأثرية الإسبانية أعمال التنقيب في موقع الثقيبة الأثري في سهل المدام والذي يضم بقايا مستوطنات واسعة من العصور القديمة.

وأوضح مدير عام هيئة الشارقة للآثار أنه تزامنا مع أعمال البعثات التنقيبية العالمية فإن بعثة التنقيب الأثري المحلية التابعة لهيئة الشارقة للآثار تواصل أعمالها على مدار العام في عدد من المواقع الأثرية في مليحة والمدام والمنطقة الشرقية إضافة إلى القيام بحملة كبرى لصيانة وترميم مبان تذكارية هامة في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة.

وتتفرّد مليحة بثرائها الغنيّ بالعناصر البصرية والجمال الطبيعي الذي عزّزته المكتشفات الأثرية الفريدة التي عثر عليها خلال عمليات بحث وتنقيب واسعة من قبل خبراء محليين وأجانب في علوم التاريخ والآثار تؤكد جميعها على حضارة ضاربة جذورها في عمق التاريخ الإنساني.

ومن بين هذه العناصر الجمالية المكتشفة ينبوع المياه الأثري الذي تشكّل بفعل مياه الأمطار الرعدية منذ الآلاف من السنين إذ تشير الدراسات إلى أن الينبوع كان يزوّد السكّان بالمياه العذبة، كما يتحدث بعض علماء الآثار عن أن الينبوع تشكّل بفعل السيول التي فاضت من أعلى جبل الحجر على سهول مليحة العشبية، ما يدلل على مصادر المياه وأساليب الريّ المستخدمة آنذاك.

وسيكتشف الزائر إلى مليحة تفاصيل العصور وخصائصها وأدواتها حيث دلّت المكتشفات التاريخية في جبال الفاية على “كهف الفاية”، التحفة الفنية الطبيعية، وقد عثر بداخله على أدوات تعود إلى العصر الحجري تؤكد على أن المكان كان مأهولا بسكانٍ من قاراتٍ أخرى.

كما تؤكد الاستراتيجية الجغرافية التي تتمتّع بها مليحة كبوابة عبور للشرق من القارة الأفريقية، بالإضافة إلى ما تبرهن عليه المكتشفات من قدرة الإنسان وبراعته في استغلال الطبيعة كملجأ للعيش والاحتماء من الظروف والعوامل الجوية القاسية حيث تروي آثار مليحة حكايات الكفاح والحياة على مرّ القرون.

وبأبراجه الثمانية يدلل حصن مليحة الأثري الذي بني باستخدام الطوب اللبن -الطوب المصنوع من الطين والقشّ- على تمتّعه بمكانة سياسية واقتصادية آنذاك وإلى أن المنطقة كانت تخضع لما يشبه الحكم العسكري القديم حيث أن عمليات الحفر أشارت إلى آثار حرق وكسر في جدرانه السميكة من الخارج ما يلفت إلى كونه قد تعرض إلى غزو ما، كما يحتوي الحصن على حجرات مخصصة للجنود ومواقد للطبخ وقوالب لسكّ العملات بالإضافة إلى العديد من المكتشفات الأثرية الهامة.

مكتشفات أثرية فريدة

ومن منطلق الحرص على المحافظة والاهتمام بهذا الإرث التاريخي النادر أخذت هيئة الشارقة للتطوير والاستثمار على عاتقها جهود تطوير المكان لتهيئته بما يتناسب مع قيمته التاريخية والحضارية وبما ينسجم مع رؤيتها واستراتيجيتها التي تنعكس في حفاظها على الموروث الثقافي وتحويله إلى وجهةٍ سياحية تجتذب أنظار العالم لتكون مليحة بذلك واحدةً من أبرز مواطن الجذب السياحي في إمارة الشارقة.

وحول هذه الجهود أوضح محمود راشد السويدي مدير مشروع مليحة للسياحة البيئية والأثرية إلى أن الهيئة عمدت إلى استغلال كافة العناصر الفريدة التي تحتوي عليها مليحة لذا نفذت العديد من المشاريع التطويرية والخدمية في المكان كان أبرزها إنشاء مركز مليحة للآثار المستوحى في تصميمه من جمال الطبيعة المحيطة به والذي يشكّل حاضنة للآثار والمكتشفات التاريخية وجامعاً للصور التي تعكس روعة المكان وكونه بوابة تربط الماضي بالحاضر.

والهدف من ذلك جعله مركزاً حيوياً للزوّار يشتمل على خيارات ترفيهية ومغامرات فريدة عديدة تتيح لهم اكتشاف مليحة بالطريقة المثلى، كما قامت الهيئة بتطوير عدد من المرافق المخصصة للمبيت في مواقع مختلفة بالإضافة إلى مقهى مليحة الأثري الذي يخدم زوار الوجهة ومناطق مخصصة للأنشطة والفعاليات.

وأضاف أن جهود التنقيب أثمرت عن اكتشافات ثمينة ونادرة شملت العثور على أدوات تعود إلى العصر الحجري ومصنوعات يدوية تشير إلى حِرف يدوية اشتهرت بها المنطقة وموروثات لغوية منقوشة على قطع من الجبس برموز قديمة كما وجدت أدوات نحاسية وأخرى فخّارية تعكس طابع العيش القديم إضافة إلى ألواح جنائزية من الطوب واللبن كانت توضع على القبور كشواهد لها.

يشار إلى أن “مليحة للسياحة البيئية والأثرية” هي إحدى الوجهات السياحية الرائدة التابعة لهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير حيث تم افتتاح المرحلة الأولى منها في يناير 2016 لتعكس بذلك رغبة الشارقة في تسليط الضوء على المواقع الأثرية القديمة في الإمارة، والتي تم الكشف عنها بعد سنوات من البحث والتنقيب من قبل هيئة الشارقة للآثار بهدف حماية الآثار والبيئة.

20