مدينة من زوايـا

الأربعاء 2014/07/02

“أيّ المدنَ تفضلين؟” كنتُ اُردّد في سري: “أنا لن أعودَ إليك!”.. حينَ فاجأني بهذا السؤال.. كان يحاول أن يفتحَ كوّة للحديث.. ربما ليستفزّ في روحي ما خبا من عشقٍ يعرفُ أنه خالصٌ له وحده.. لكن ظروفنا هي التي شاءت أن تبعدنا فيعتري ظاهرنا الجفاف.. ويبقى جوهرنا يانعاً طرياً مثل طفل وليد.. – “وماذا تعني بـ”أي المدن”؟ هل تريد اختبار وطنيتي؟ الجواب جاهز لا لبس فيه.. فوطني هو أحلى وأهم وأروع المدن أياً ما كان خطبه ومهما كان ظرفه.. و.. “ فيقاطعني ضاحكا.. – “لحظة.. لحظة..

لا تبدئي أرجوك.. لم أقصد ذلك مطلقاً.. أنا أقدّر حبكِ لوطنكِ وانتمائك له ولقضاياه.. ربما أخفقتُ في طرح سؤالي.. ما عنيته هو: لو تهيـّأ لك اختيار مكانٍ للعيش.. فأيّ الأماكنِ تفضلين؟.. إنه سؤالٌ طالعني ذات يوم في إحدى صفحات التواصل الاجتماعي.. وفكرت أن أطرحه عليك..” – “آها.. هذا سؤالٌ جميل.. أكاد أجزم أنني أعرفُ جوابه رغم أن أحداً لم يطرحه عليّ.. فأنا أحب الطبيعة جدا.. وأحسّ أنني جزء منها.. بيد أني لا أُحبها كما هي.. لا أحبها وحشية لم تشذبها يدُ الانسان.. أحب التحضّـر في كل شيء: الطبيعة المتحضرة والمدن المتحضرة والبشر المتحضر.. أعشقُ البحر.. وأنتمي للأنهار.. أحب الجسورَ التي أعبرُها وأنا أرقب جريان الماء من تحتها مثل فضة كونية.. سافرت كثيرا.. لكنني لم اُطق البقاء طويلاً في مدنٍ بلا بحر أو نهر.. ولم أشعر بالراحة يوماً في مدنٍ لا خضرةَ أو وردَ فيها..

وأحسستُ بالحميميّة والانتماء في المدن التاريخية العريقة.. تلك التي زخرفتْـها أنامل المبدعين وزين شوارعها حبّ الفن والجمال.. وأيضاً.. طالما تمنيتُ أن أعيش في مدينة لا يضاقني فيها أحد.. لا تتابعني فيها نظراتُ الفضول ولا يتوجّس أحد فيها من مظهري وتصرفاتي..

أريد مدينة من حب وسلام ووئام…. آآآه! أحلامي صعبة المنال! فأنا أُريد كل ذلك في وطني ووسط أهلي وأحبتي!.. دعكَ من أحلامي وحدثني عنكَ أنت.. أي المدن تفضل؟” – “أنا؟ آه لو تدرين!.. حلمي أصعب من حلمك بكثير!.. فأنا أحلم بمدينةٍ من زوايا!.. نعم.. مدينة من زوايا!.. أنا أجد أن المدنية-الحلم أو اليوتوبيا بالنسبة لي هي تلك التي تكون مشيدة على فكرة الزوايا.. في كل ركن منها زاوية أو ملاذ يلجأ إليه العشاق.. يتبادلون الهمسات والقبل.. حلمي مدينة أحتضن فيها حبيبتي حيثما شئت دون أن يلحظني أحد أو يزعجني بوجوده! أريد خصوصيتي في كل ركن فيها دون عناء أو حيرة أو بحث.. فلم لا تكون مدينة من خضرة وبحر وحضارة وسلام.. وزوايا؟!”

في تلكم اللحظات.. سرتْ في جسدي رعشة اشتياق.. هزّني ما كان بيننا من عشق محموم.. وتذكرت حينما كنا معا هناك.. مكبّـلين بالتقاليد.. بفضول الآخرين.. بالخوف من الآخر الذي لا نعرف.. كانت التابوهات المحرمة تحاصرنا من كل صوب..

وكم كان للزوايا سحر لا يشبه إلا مغاراتِ علاء الدين! صمتتُ وأنا أمعن النظر في عينيه بشغف وهما تمعنان في الوصف فتربكاني أكثر فأكثر ووجدتني أردّد في سري: “ما أحلى الرجوع إليه!” نظر إلي مبتسماً وكأنه ضبطني متلبسة بذاكرة حبه.. – “هيه؟ أين ذهبتِ؟” – “أبداً.. كنت فقط أتمنى للحبّ حياةً أجمل.. في بلادي”.

20