مدّعو التنوير أشد خطرا على الفكر الإصلاحي من المتشددين أنفسهم

إسلام البحيري يؤكد أن الإصلاح يحتاج إلى حرية دينية كاملة ويعتبر استشراء السلفية واحتكار الأزهر للخطاب الديني أهم عوائق التجديد.
الجمعة 2018/05/11
ضرورة إعادة قراءة التراث

القاهرة - يطرح إسلام البحيري، الباحث في التراث الإسلامي الذي التقته “العرب”، منذ بروزه في الساحة الإعلامية فتاوى وأفكارا مثيرة للجدل قادته إلى القضاء. ففي 31 مايو 2015، أصدرت محكمة جنح في القاهرة حكماً بحبسه خمس سنوات بتهمة “ازدراء” الدين الإسلامي والطعن في الأئمة. وفي أواخر ديسمبر من العام نفسه، قضت محكمة استئناف مصر القديمة، بقبول استئنافه على الحكم وخففته إلى الحبس سنة واحدة. ثم أيّدت محكمة النقض، أعلى محكمة في مصر، في 31 يوليو 2016 عقوبة حبسه عاما، ليقضي أكثر من عشرة أشهر خلف أسوار السجن، قبل أن يخرج بعفو رئاسي في نوفمبر 2016.

لكن التهم الموجهة للبحيري لم تثنه عن مواصلة السير على طريق التنوير الذي اختاره، حيث عاد في الآونة الأخيرة إلى الساحة الإعلامية ببرنامج “توك شو” يخوض فيه معركة التجديد.

وتبنّى البحيري قضايا التجديد في فترة ملتبسة وخطيرة في المشهد السياسي المصري، حين بلغت جماعة الإخوان سدة الحكم في مصر كما في تونس وليبيا إبان ثورات ما سمّي بالربيع العربي التي انطلقت شرارتها عام 2011 وما رافقها من توترات اجتماعية وسياسية وأمنية.

ولا يخفي البحيري أن الوعي بضرورة التغيير كان متأخرا بعض الشيء لأن هذه الشعوب لم تكن تدرك خطر الإسلاميين المتشددين، ولم تنتشر العمليات الإرهابية إلا منذ تولّي الإسلاميين الحكم. ويقول “حاولتُ الاجتهاد عبر الكتابة لكن لم يصغ إليّ أحد، وكانت تلك الاجتهادات بمثابة صراع ثقافي مع رجال الدين”.

ويتابع “عقب الثورات التي أدت إلى وصول الإسلاميين إلى الحكم بالتوازي مع صعود تنظيم داعش، أدركت المجتمعات العربية حجم التأخر الفكري الذي تعيشه، وبدأ العامة يطرقون باب التنوير ويستجيبون لدعوات التغيير”.

إسلام البحيري

*باحث مصري من مواليد العام 1974، رئيس مركز الدراسات الإسلامية بمؤسسة “اليوم السابع” حاصل على ماجستير في “طرائق التعامل مع التراث” من جامعة ويلز بإنكلترا. *عمل بمؤسسة اليوم السابع، وكان مقدم برنامج “مع إسلام” على قناة “القاهرة والناس”الفضائية، وقد أثار البرنامج جدلا كبيرا.

أما في المرحلة الحالية التي تعيشها مصر، وعلى الرغم من التخلص من حكم الإخوان، فإن البحيري يعتقد أن انتشار الفكر السلفي بالمجتمع يعيق كل الجهود الأمنية والفكرية للقضاء على الإرهاب.

ورغم الحراك المجتمعي ضد كل أشكال التطرف فإن الأصولية تهدد المجتمعات العربية، حيث بقي الكثير من الأفراد سجناء أفكار راديكالية جامدة يستمدون منها معرفتهم، ويسيّرون شؤون حياتهم عبر التمسك بكتب التراث الديني التي دوّنت منذ أكثر من ألف عام، وظلوا أسرى للماضي وللأفق الضيق، ولم يحكّموا عقولهم بل ظلوا مقيّدين، ولم يستفيدوا من وسائل التكنولوجيا الحديثة التي يستعملونها بصفة يومية.

وعلى الرغم مما تسببت فيه جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من فوضى أمنية ونشرها لأفكار متطرفة، إلا أن البعض من الباحثين رأوا أن صعود الإسلام السياسي كان في بعض أوجهه إيجابيا. حيث أدى إلى دعم القضايا التنويرية وظهور تيار من المفكرين اختاروا محاربة الأفكار المتشددة والرد عليها بالتوعية والتفرقة بين الإسلام المتسامح المعتدل وبين من يضعونه في خانة التشدد والانغلاق.

لذلك عزّزت تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر، موقف إسلام البحيري وغيره من المجددين بدعم أطروحات التنوير وتطوير الخطاب الديني.

ويرى البحيري أن “التنوير كان ضرورة، وساهم في كشف حقيقة الإسلاميين وأنهم كذبة كبرى، وتلك هي أخلاقهم ودمويتهم التاريخية، فصعودهم هو أسوأ الأحداث التي جعلتهم تحت دائرة الضوء، بعدما تواروا لعقود يسوقون مظلومية كاذبة حول سجنهم واعتقالهم حتى يحظوا بعطف وتأييد شعبيين”.

وساعد بلوغ الإسلاميين سدة الحكم قطاع كبير من التنويريين، لا سيما البحيري الذي يقول “أفكاري اكتسبت زخما ودعما كبيرين إلى الدرجة التي تبنت فيها الحكومة المصرية طريق التجديد، كما تتحرك دول كثيرة في المنطقة العربية لتجديد الخطاب الديني وتطويره، بينها السعودية، لكن تظل الإمارات راعية التجديد منذ زمن طويل”.

واعتبر أن “المهم هو اتخاذ خطوات على مستوى الأفراد والمجتمعات والدولة لإدراك حقيقة ما فعله الإسلاميون”، مضيفا “أفضل ما قاموا به هو الكشف مبكرا عن وجههم الحقيقي، إذ أنهم أرادوا استنساخ تجربة الثورة الإيرانية الشيعية، وهو ما لا يمكن تطبيقه في دول كبيرة بالمنطقة وبينها مصر وتونس وسوريا”.

ويرى أنه رغم التقدم التي تحظى به قضايا التنوير بالوعي الذي نجح المفكرون في بسطه في المجتمع، إلا أن طريق التنوير مازال طويلا ومليئا بالعقبات.

وأوضح أن “السلفية مازالت تسيطر على عقول المسلمين، حتى لو بدا بعضها مدنيا، لكن البعض الآخر يضع رقيبا دائما على تصرفات الناس، وبداخله الفقيه المتشدد (ابن تيمية صغير) يرفض كل الأديان والطوائف الأخرى، وتلك ليست عقلية الإسلام بل نهج التطرف الذي  لا يزال تأثيره بالغا على الشعوب”.

ويتعارض هذا التعصب مع تعاليم الدين الإسلامي الذي يطرح مبدأ الحرية بمفهوم شامل يتضمن حرية العقيدة وحرية الشعائر وحرية الدعوة، وهي القواعد التي يجب أن تقوم عليها مشروعات تجديد الخطاب الديني.

ويقول البحيري “الإصلاح يحتاج إلى الحرية الدينية الكاملة التي تشمل كل الأفراد، لكن دون سيطرة لاتجاه على حساب آخر، ودون تدخل السلطة في هذه الحرية”.

ويضيف “التحرر من الأفكار المتشددة واجب وسيتخذ شكلا تدريجيا بعد أن استفاق المجتمع وبات على وعي أكبر بمبادئ دينه الحقيقية، ومن أبرز مظاهر هذا الوعي الإدراك بأن الأئمة الأربعة هم بشر مثلنا، لا يمكن أن تكون تلك الأحاديث التي تروّج لغير ذلك سليمة، وقطعا بعضها خاطئ”.

واعتبر أن الوصول إلى الإقرار بأن هؤلاء الأئمة الكبار هم “بشر” يعد انتصارا عظيما، “بدأت تجربة الكتابة في عام 2007، وحينها كان مجرد التفوه بكلمة ضد الإمام البخاري كفيلا أن يؤدي إلى تكفير صاحبه، وليس الاتهام بترويج أفكار ضالة فقط”. ويحذر البحيري من أن “هناك فئة تدّعي التنوير تحمل بداخلها بذور السلفية، وهي أشد خطرا على الفكر التنويري من المتشددين أنفسهم”.

مؤسسة الأزهر ترغب في احتكار الخطاب الديني، وتطعن في شرعية المثقف الذي يقدم قراءة دينية لا تتفق مع السائد

عن مبادرة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني لم ينكر البحيري أن الحكومة المصرية لديها رغبة حقيقية في دعم قضايا التنوير، لكن الدولة على مستوى المؤسسات ليست على قلب رجل واحد وتبدو غير موحدة تحت صف التنوير، فهناك من يحبذه لكن هناك من يرفضه، فكثيرون لا يؤمنون بالتنوير ويعتبرونه أمرا مزعجا.

ويشير البحيري إلى أنه رغم مطالبات السيسي المتكررة بتجديد الخطاب، إلا أن السلفية تسيطر على العقول دون محاولة من مؤسسات الدولة، على رأسها الأزهر، لاجتثاثها خاصة خلال السنوات الماضية التي شهدت مواجهة داعش، حيث لم تفعل مؤسسة الأزهر شيئا في مواجهة التنظيم الإرهابي سوى إصدار بيانات.

واتهم مؤسسة الأزهر بأنها “ترغب في احتكار الخطاب الديني وتصفية أي دور مواز لها يتماهى مع خلق سلطوية دينية تنفرد بها، وتقطع الطريق على غيرها، فهي تطعن في شرعية المثقف الذي يخرج عن طوعها أو يقدم قراءة دينية من خلال مناهج غير تقليدية ورؤية لا تتفق والسائد”.

وتظل قضية التراث مسألة جدلية لتغيير الفكر السلفي السائد الذي يستمد أفكاره من كتب التراث، ويقول البحيري “التراث في أي علم غير الدين له قيمته الرمزية، لكن لا يمكن أن نظل عبيدا له، ولا أطالب بتدمير التراث الديني، لكن لا ينبغي كذلك التوقف عنده”.

وأضاف “تعديل التراث بالشكل الذي يناسب تطور العصر ضرورة، فالمؤسسات الدينية تقدم إجابات عن إشكاليات يومية من 1300 عام لشخص يعيش اليوم، كأنك تحصل على إجابة من كتاب للموتى، فكيف للموتى أن يتحكموا في حياتنا المعاصرة؟”.

وختم بالقول إنه “لا بد أن نقدم فكرا جديدا، لا سيما أننا نمتلك فهما أوسع وأعمق بحكم التراكم المعرفي، فلدينا 1200 سنة من العلم الذي يفوق علم من ماتوا في عام 200 هجرية”.

13