مدّ الجسور بين بوكو حرام وداعش ليبيا.. تحد إقليمي جديد في أفريقيا

السبت 2015/03/07
الجماعات الجهادية تسعى إلى تجاوز جيوبها التقليدية في نيجيريا والكامرون والتوجه شمالا

إمكانية مدّ الجسور بين مجموعة “بوكو حرام” و”داعش” ليبيا، وما يمكن أن ينجرّ عن ذلك من توسّع المجموعة النيجيرية متجاوزة جيوبها التقليدية في كلّ من نيجيريا، معقلها الأمّ، والكاميرون، تدفع بقوةّ نحو فرضيّة حدوث نوع من التواصل مع عناصر “داعش” ليبيا، لمواجهة التحالف الدولي ضد الإرهاب، وهو ما سيفرض، في عمقه، تحدّيا أمنيا إقليميا، يقتضي التحرّك من أجل تجنيب مناطق كثيرة من القارة خطر الانزلاق إلى الفوضى.

قال غويندال رويارد، سكرتير لجنة الدفاع الوطني والقوات المسلحة في الجمعية الوطنية الفرنسية، في تصريح له لمجلّة “أفريقيا”، في عددها الأخير، إنّ “باريس والدول الأفريقية تريدان – قدر الإمكان- تجنّب امتداد الجسور بين مختلف المجموعات الجهادية، وهذا ما يعدّ، اليوم أولويّة، لأنّه، وخلال مهمّتنا في أفريقيا، خلصنا إلى وجود اتّصالات حقيقية وعميقة بين بعض المجموعات الجهادية”.

وأضاف رويارد، وهو مؤلّف إحدى الكتابات التقييمية للجهاز العسكري الفرنسي في أفريقيا، قائلا: “توجد إتّصالات، منذ عدّة أشهر، بين بوكو حرام و(تنظيم) القاعدة في المغرب الإسلامي، الناشطة في شريط الساحل والصحراء الأفريقية.”

وقال ضابط سابق بالمخابرات في مالي، في تصريحات إعلامية، إنّ “ميجاو (حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا) تمّ إضعافها عن طريق التدخّل الفرنسي، في يناير 2013، في شمالي مالي، بيد أنّه لم يتمّ القضاء نهائيا على هذه الجماعة لأنّها كانت على اتصال ببوكو حرام، والتي كانت تزوّدها بالمقاتلين والوسائل اللوجستية”.

وبالنسبة لضابط المخابرات السابق، فإنّه إن كانت يد بوكو حرام قد امتدت بالفعل لتقدّم المساعدة لحركة “ميجاو”، خصوصا في 2012، حين زوّدتها بحوالي 200 مقاتل خلال معارك غاو (شمالي مالي)، وأيضا في يناير 2013، خلال مواجهات كونا (وسط)، فمن الممكن بل ومن المنطقي أن تستمر هذه “اللّحمة الجهادية” لتصل إلى ليبيا حيث بدأ ينشط تنظيم ما يعرف باسم “الدولة الإسلامية” (داعش).


سياسة مد الجسور


يرى رئيس مركز البحوث والدراسات السياسية والإستراتيجية بجامعة ياوندي (الكاميرون)، فانسون نتودا إيبودي، أنّ التوسّع المستمرّ لـ “بوكو حرام”، إلى ما وراء الحدود النيجيرية والكاميرونية، يهدف إلى “مدّ الجسور مع المجموعات الجهادية في المغرب وشرق أفريقيا”.

وأضاف نتودا أنّ “بوكو حرام تبحث، أوّلا، على عبور الكاميرون لتكون على اتصال بجنوبي التشاد، وأفريقيا الوسطى، ومن هناك، سيمدّون الجسور مع السودان، ثمّ الصومال فليبيا، قبل أن تمدّ الجسور، إثر ذلك، مع مختلف الوحدات الإرهابية، من أجل الحصول على السلاح، والقتال في نيجيريا وفي كلّ دولة يشعرون فيها بانعدام أمنهم”، متطرّقا، على سبيل المثال، إلى حركة الشباب في الصومال إلى جانب غيرها من الفصائل المتواجدة في كلّ من ليبيا والسودان.

بوكو حرام تبحث، أوّلا، على عبور الكاميرون لتكون على اتصال بجنوبي التشاد، وأفريقيا الوسطى، ومن هناك سيمدّون الجسور مع السودان، ثمّ الصومال فليبيا

غير أنّ هذا التقاطع العابر للحدود بين المجموعات الجهادية لا يعتبر الأوّل من نوعه، إذ سبق وأن امتدت جسور مماثلة بين شمالي مالي وليبيا، بحسب ما صرّحت به رئيسة منظمة “المقدّمة” غير الحكومية في تونس، أميّة الصدّيق، المختصّة في تحليل الصراعات في المنطقة، غداة إطلاق العملية العسكرية الفرنسية، في يناير 2013، في الشمال المالي.

وقد اضطرّ الطوارق والجهاديون إلى مغادرة معاقلهم الأصلية للبحث عن ملجأ في الطرف الآخر من القارة، ليجدوا أنفسهم في ليبيا، وخصوصا في سرت، معقل “الدولة الإسلامية”، والتي تضمّ مزيجا من الليبيين والأجانب. وشكّل إعدام 21 من أقباط مصر، مؤخرا، من قبل “داعش” ليبيا، والذي يترجم بوضوح سعي التنظيم الأخير إلى إفشال اتّفاق سياسي محتمل في ليبيا، نذيرا بهجوم وشيك على داعش، وفقا للمراقبين.


أخطاء تنتظر الإصلاح


الثابت أنّ تلك الجسور بين الجهاديين، ورغم المسافات الهائلة التي تفصل بينهم، تشكل، أوّلا، نتاجا للمعطيات الجغرافية، وفقا للرئيس السابق للجنة الإتحاد الإفريقي، جون بينغ، الذي أكّد أنّ التواصل يعدّ المخرج المثالي لتلك الفصائل المسلّحة، فتنظيم القاعدة مدّ جسوره مع حركة الشباب الصومالية شرقا، ومع بوكو حرام جنوبا، وهذا يعني أنّه هناك منطقة خاضعة لسيطرة الإرهابيين أو يريدون السيطرة عليها، بهدف إبعادها عن متناول الغرب، واستخدامها كمجال لجميع الأنشطة غير المشروعة، لافتا إلى وجود تقاطع ثلاثي.

سكرتير لجنة الدفاع الوطني والقوات المسلحة في الجمعية الوطنية الفرنسية غويندال رويارد، قال بدوره: “نعترف صراحة أنّ خدمة ما بعد البيع للعملية الفرنسية أرماتان (في 2011 في ليبيا والهادفة إلى حماية المدنيين من هجمات قوات العقيد الليبي السابق معمر القذافي ثم إسقاطه) لم يتمّ إنجازها بشكل كامل، ونحن ندفع، بطريقة ما، ثمن وضعية خلقناها بأنفسنا”.

التقاطع بين المجموعات الجهادية لا يعتبر الأول من نوعه، إذ سبق وأن امتدت جسور مماثلة بين شمالي مالي وليبيا

ويقول أحد زعماء قبيلة “التبو”، التي تقطن في الجنوب الغربي الليبي، “لقد ساهمت سهولة اختراق الحدود، التي كانت تمثل الصمّام المضاد للإرهاب المتّجه نحو ليبيا، في ازدهار الأنشطة التجارية المثمرة التي تخدم الإرهاب، فقد بلغ سعر تمرير عنصر جهادي من شمالي مالي والنيجر أو الجنوب الليبي نحو البحر الأبيض المتوسّط 50 ألف دولار، وهو سعر مرشّح للارتفاع حسب أهمّية الشخص المعني، حيث دفع المختار بن محمد بلمختار المكنى بأبو العباس خالد، مؤسس كتيبة الموقعون بالدماء، المنشقة عن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، 900 ألف دولار من أجل نقل 6 من رجاله إلى طرابلس. وبالنسبة إلى شعب “التبو”، فإنّ العملية بأكملها لا تتعدّى كونها صفقة”، وفق تعبيره.

غير أنّ فرنسا التي تدخّلت، مؤخرا، بالفعل عسكريا في الأراضي الليبي، وتحديدا في الجنوب بشكل متقطع وغير معلن، انطلاقا من قاعدة ماداما شمالي النيجر، “تنوي إعادة الكرّة”، بحسب وزير دفاعها جون إيف لودريان.

في المقابل، رأى رويارد أنّه بـ “3 آلاف عسكري فرنسي في مالي والنيجر وتشاد، فإنّ العملية الفرنسية في الساحل والصحراء الأفريقية يمكن أن تستجيب للاحتياجات التشغيلية على الأرض، لكن السؤال الجوهري يبقى متعلّقا بليبيا”، مضيفا بالقول “لا ينبغي أن نستبعد، في الوقت المناسب، الخيار العسكري في ليبيا، لأنه لا يمكن، معالجة الوضع في الساحل، دون معالجته في ليبيا”.

6