مد سلفي متنام يهدد لبنان بحرب طائفية

الخميس 2015/03/05
الأفكار السلفية تستهوي بعض الشباب السني الذي يعاني بطبعه أزمة هوية جراء قلة التأطير الديني والسياسي

واشنطن – تعدّدت انعكاسات الثورة السورية منذ اندلاعها سنة 2011، على الداخل اللبناني، وتنوعت تداعياتها، خاصة بعد تورّط “حزب الله” اللبناني في القتال إلى جانب قوات النظام السوري الذي أدانته أطراف لبنانية عديدة ورأت فيه توريطا للبنان في معركة لا تعنيه. انعكاسات تجلّت على عدّة واجهات أبرزها عودة الزخم السلفي وازدهار أفكاره مجددا لدى فئات واسعة من بين الحانقين على سياسات “حزب الله”، ممّا بات يهدد البلاد بإمكانية العودة إلى مربع الحرب الطائفية التي مازالت جراحها لم تندمل حدّ الآن.

سجلت التيارات السلفية نموا ملحوظا في الفترة الأخيرة في لبنان وتحديدا في مدينة طرابلس في شمال البلاد. وقد شكلت الأوضاع التي تعيشها سوريا نقطة التّحول في خروج هذه التيارات إلى العلن مجددا، وظهر هذا النمو بشكل واضح في الارتفاع المطّرد في عدد الذين يشاركون في صلوات الجمعة في المساجد في المدينة، ولاسيما تلك التي يؤم الصّلاة فيها مشايخ من التيارات السلفية.

ويعتبر هذا الزخم السلفي، وفق مراقبين، ردّ فعل على السياسات غير المدروسة التي يقوم بها “حزب الله” الشيعي، خاصة بعد تورطه في الصراع السوري الداخلي، وفق أجندة إيرانية شيعية طائفية، أسهمت بدورها في تأجيج التطرف السني في الداخل اللبناني، وخلقت أجواء تذكر بالأجواء التي عاشتها البلاد زمن الحرب الطائفية.

لم يعد من الممكن فصل لبنان عن سوريا، إذ أن الصراع انتشر نحو مدن حدودية مثل عرسال وبريتال ورأس بعلبك بالقرب من القلمون


الجذور التاريخية


يشير روبرت رابيل، مؤلّف كتاب “السلفية في لبنان”، والباحث بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في محاضرة له ألقاها، مؤخرا، أمام منتدى سياسي في المعهد، إلى أنّ السلفيّة دخلت إلى لبنان في أربعينات القرن الماضي على يد شيخ يُدعى سالم الشهال الذي اعتنق مذهبها وتنقل في جميع أنحاء عكار في شمال لبنان، ليزور أكثر من ثلاثمئة قرية من القرى الفقيرة لتعزيز هذه الأيديولوجيا. وقد شكلت السلفية موضع جذب بسبب عوامل مختلفة، من بينها الهزائم المذلة التي ألحقتها إسرائيل بالعالم العربي في عامي 1948 و1967 وما تلا ذلك من “تشويه سمعة” القومية العربية.

وقد انتشرت المنظمات السلفية خلال الحرب الأهلية وذروة التواجد السوري في لبنان بين عامي 1990 و2005. وكان السلفيون في لبنان -من المنظور السوري على الأقل- من النّوع الأكثر استكانة، وبالتالي كانوا غير سياسيين ولا يشكلون تهديداً. كما أنّ تعزيز هذه المجموعات أدّى أيضاً إلى الاستفادة من التخفيف من وحدة المجتمع المسلم السني اللبناني وإضعافه. وقبل فترة طويلة من ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، أنشأ الإسلاميون في لبنان إمارة سلفية إسلامية بين عامي 1982 و1985.

وفي الواقع، يمكن أن تُعزى أولى مفاهيم الجهادية السلفية إلى ظهور “الحركة الإسلامية المجاهدة” في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في عين الحلوة. وقد تم شحذ هذه الأيديولوجيا أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وبعد ذلك من خلال اتصال شبكات السلفية بتنظيم “القاعدة”. وبعد الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين في عام 2003، سافر مسلّحون من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولاسيما من عين الحلوة، إلى العراق للجهاد ضدّ الأميركيّين الغزاة. وقد استغل النظام السوري الفكر السلفي لتقويض جهود الولايات المتحدة في العراق، من خلال غض النظر عن المقاتلين الذين يعبرون حدود سوريا وكانوا يقاتلون في صفوف “القاعدة”.

أوجه السلفية
في الوقت الحالي، يمكن تمييز السلفية وفق ثلاث فئات رئيسية هي؛ الأكثر استكانة والناشطين والجهاديين السلفيين. ويركز السلفيون الأكثر استكانة على التربية الإسلامية والدعوة، في حين يريد الناشطون ممارسة السلطة والنفوذ على حكوماتهم بسبب عدم رضاهم عن الحكام العرب.

أما بالنسبة إلى الجهاديين السلفيين، الذين جسدهم زعيم تنظيم “القاعدة” السابق أسامة بن لادن، فهم يعتقدون أن الطريق للعودة إلى العصر الذهبي للإسلام وللمجتمع الإسلامي يكمن في الحرب المقدسة أو الجهاد.


زخم سياسي


في 14 فبراير الماضي، صادفت الذكرى العاشرة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق وزعيم المجتمع المسلم السني في لبنان رفيق الحريري.

وقد شكّل مقتله، قبل عشر سنوات، ضربة لأهل السنة، بما في ذلك السلفيين. فقد كان التواجد السوري في لبنان قد أضعف المجتمع السني في البلاد، غير أنّ الحريري قام بإحيائه سياسياً واقتصادياً. ومباشرة بعد وفاته -إثر اغتيال يُعتقد على نطاق واسع أن الضالعين فيه لهم علاقة بنظام الأسد (العلوي) وميليشيا “حزب الله” (الشيعية)- تم عقد اجتماعات بين عدد من بلدان المنطقة من بينهم قطر والكويت لدعم السلفيين في لبنان. وتدفقت كميات كبيرة من الأموال إلى لبنان خلال انتخابات عام 2005 من خلال المنظمات السلفية مثل “مؤسسة الشيخ عيد الخيرية” القطرية و”جمعية إحياء التراث الإسلامي” الكويتية.

سعد الحريري -نجل رفيق الحريري- الذي تولى زمام القيادة السنية في لبنان بعد والده، يحافظ بدوره على علاقة متباينة مع السلفيين. فمن جهة، يحتاج إلى أصواتهم في الانتخابات البرلمانية، إذ أن السلفيين يحافظون على موطئ قدم قوي في شمال لبنان منذ الأربعينات من القرن الماضي. ومن جهة أخرى، هو معتدل يسعى إلى إبقاء الجهاديين السلفيين بعيدين عنه. وخلال عدد من مقابلات الصحفية السابقة، شكا أحد القياديين السلفيين من أنّ سعد الحريري استخدم السلفيين فقط عندما احتاج إليهم، ولم يمنحهم أي غطاء في المقابل. وقد أعرب سلفيون آخرون عن آراء سلبية مماثلة تجاه الحريري. ومع نمو الحركة السلفية في لبنان، فإنها قد أدّت إلى زيادة الانقسام في المجتمع المسلم السني وتخفيف قوته الجماعية. وقد شكّل السلفيون أيضاً عاملاً هاماً في سوريا، حيث كانوا من أوائل الداعمين للثورة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد عام 2011. وقد ساعد الجهاديون السلفيون من عين الحلوة في تدريب المقاتلين من “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم “القاعدة”. ومازال غيرهم من المقاتلين في سوريا يتلقّون الدعم اللوجستي من طرابلس (لبنان). وفي الوقت نفسه، أصبح “حزب الله” -الذي يقاتل إلى جانب نظام الأسد في سوريا- يعتبر “حزب الشيطان” بالنسبة إلى السلفيين، الذين يشكون من أنّ الزعماء السنة مثل الحريري لم يتخذوا أيّ إجراء فعّال للحد من أنشطة “حزب الله” التي تستهدف السنة في سوريا.

اختار الباحث روبرت رايبل معالجة موضوع «السلفية في لبنان»، في كتاب حمل هذا العنوان، لاعتباره أن هذا الموضوع شديد الأهمية ولم يُعالج بطريقة كافية في وقت يتطور فيه دور السلفيين اللبنانيين على الساحة السياسية والاجتماعية اللبنانية بشكل سريع ولافت، مشددا على أنّ السلفية اللبنانية تعادي من تسميهم “أعداء الإسلام” ولكنها تأخذ في الاعتبار وضع لبنان الخاص من حيث تنوع خلفيات سكانه الدينية والعقائدية.

لذلك فمن الصعب على نحو متزايد التمييز بين الناشطين السلفيين والجهاديين السلفيين في لبنان. فخلال معركة القصير التي دارت في سوريا عام 2012 على سبيل المثال، أصدر العديد من العلماء السلفيين الناشطين فتاوى تشير إلى أن الجهاد في سوريا هو واجب إسلامي. أما اليوم، فيبرز مستوى جديد من المرونة بين الناشطين السلفيين والجهاديين السلفيين. ويُعدّ هذا التحول في لبنان شائعا ومقلقا على حد سواء.


تنامي المخاطر


تعكس مشاكل أهل السنة في لبنان الأزمة السنية في المنطقة عموما، ألا وهي: أزمة الهوية. ففي السابق، كان السنة اللبنانيون أبطال القومية العربية. أمّا اليوم فهم لا يتمتعون بمبدأ للتعبئة العامة أو التنظيم، بينما يبرز عنصر واحد فقط يوحد مجتمعهم نسبياً وهو كونهم معارضين جداً لـ “حزب الله” وأفعاله في سوريا، لكن هذا لا ينفي وجود العديد من الخلافات والاختلافات التي تشق وحدتهم. إلى جانب ذلك، يعاني السنة في لبنان من أزمة نسبيّة في القيادة، فسعد الحريري يعيش حالياً خارج البلاد، حيث من الصعب للغاية بالنسبة له خلق التضامن الطائفي وروح الوحدة الجماعية والحفاظ عليهما من مكانه ذاك، ولذلك فإنّ مكانته القيادية، التي يحتاجها لبنان لضمان توازنه، مطلوبة وضرورية اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، خاصة أنّ الخط الحريري (نسبة إلى خط الاعتدال الذي أرساه رفيق الحريري) يُعدّ الضمانة المثلى لتوحيد الصفوف ورأب التصدعات ومواجهة التطرف.

وبالمثل، يجد السنة أنفسهم في خضم أزمة دينية. فـ”دار الإفتاء”، أو المكتب الشرعي، يمثل تقليدياً المرجعية الدينية السنية في لبنان. لكن السلفيين هم خارج نطاق هذه المنظمة، وبدلاً من ذلك يفضّلون المؤسسات والمساجد الخاصة بهم، الّتي لا توجد لها علاقة على الإطلاق مع “دار الإفتاء”. ومثل هذا الولاء المنفصل لا يشكل مشكلة للبنان فحسب بل لبقية العالم السّني أيضاً.

وممّا يزيد الأمور تعقيداً، أنّ لبنان يشكل حالياً هدفاً للجهادية السلفية، وهو التهديد الذي أدى -للمفارقة- إلى قيام درجة معينة من الوحدة في بلد منقسم. فقد “نجحت” “جبهة النصرة” و كذلك تنظيم «داعش» في أسر جنود لبنانيين وقتلهم في وقت سابق، ممّا خلق تأييداً شعبياً متزايداً للجيش. وعلى الرغم من أنّ بعض السلفيين يبدون آراء مناهضة للجيش -لأنه يُنظر إليه على أنّه يتعاون مع “حزب الله” ضدّ المقاتلين السّنة- إلاّ أنّ معظمهم يعتبرون الجيش خطّا أحمر. وعلى أيّة حال، يبرز تصور مشترك بأنّ لبنان في خطر، وهناك القليل الذين يريدون تصعيد التوترات الطائفية. فتجربة الحرب الأهلية اللبنانية لا تزال محفورة في الوعي الجماعي.

ويخلص روبرت رابيل إلى أنّه لم يعد من الممكن فصل لبنان عن سوريا، إذ أنّ الصراع انتشر نحو المدن الحدودية (عرسال وبريتال ورأس بعلبك بالقرب من منطقة القلمون)، وفي ظل هذا التهديد، وعلى الرغم من الاحتكاك، يعمل الجيش اللبناني والاستخبارات اللبنانية بطريقة أو بأخرى سوّية ضد السلفية الجهادية التي تزايد خطرها مع تنامي نفوذ تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق المجاورتين.


تفاصيل أخرى:



طرابلس مدينة تنخرها تيارات الإسلام السياسي


إيلي محفوض لـ'العرب': حزب الله يقود مخططا إيرانيا لتقويض مؤسسات لبنان

7