مذابح التوتسي والهوتو في رواندا تعود إلى الواجهة

"المؤرخ ماكرون" يواصل نبش الماضي الدموي لفرنسا في القارة الأفريقية.
الاثنين 2021/07/05
نظرة متفحّصة للتاريخ الدموي لفرنسا

عاد الحديث عن مذابح التوتسي والهوتو التي وقعت في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي إلى واجهة انشغالات المجتمعين الفرنسي والرواندي في الآونة الأخيرة، بعد إعلان الحكومة الفرنسية فتح أرشيفاتها المتعلقة بتلك المذابح في خطوة جاءت بعد اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى كيغالي بمسؤولية بلاده عن ملف المذابح الرواندية باعتباره أصعب ملف يمس الهوية الأخلاقية لبلد الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان.

أعلنت الحكومة الفرنسية الأسبوع الماضي فتح أرشيفاتها المتعلقة بمذابح رواندا عام 1994 كوسيلة للدفع بـ"الحقيقة التاريخية" إلى الأمام، بعد 27 سنة من المجازر الدموية التي ذهب ضحيتها ما يزيد على 800 ألف شخص، جلهم من أقلية التوتسي. ولقيت المبادرة الفرنسية ترحيبا من لدن عوائل الضحايا وجمعيات المجتمع المدني في رواندا وفرنسا، التي لا تزال مع ذلك تطالب باريس بالاعتذار عن دورها في تلك المجازر.

ورحبت جمعية “إيبوكا فرنسا”، التي تضم أهالي الضحايا وناشطين حقوقيين، بالخطوة الفرنسية في اتجاه إجلاء الحقيقة كاملة، لكنها أصرت على أن تقدم باريس اعتذارا علنيا للشعب الرواندي، وقال رئيس الجمعية “إتيان نسانزيمانا” إن المؤرخين “قد أدلوا بشهادتهم، لكن على السياسيين والقضاة أن يقولوا كلمتهم أيضا”، وذلك في إشارة إلى اللجنة التي شكلها الرئيس الفرنسي والتي تتشكل من مجموعة من المؤرخين من الجانبين للكشف عن ملابسات المذابح الرواندية.

يأتي ذلك بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى رواندا والتي قادته أيضا إلى جنوب أفريقيا، ما بين 27 و29 مايو الماضي، وبعد أيام قليلة على تسلمه تقريرا من المئات من الصفحات حول مسؤولية باريس في المأساة الرواندية. وتزامنت تلك الزيارة، التي سلطت الضوء مجددا على المسؤولية الفرنسية في عهد فرانسوا ميتران في المذابح، مع فتح ملفات العبودية أو القنانة التي كانت فرنسا مسؤولة عنها أيضا خلال القرون الثلاثة الماضية في القارة السمراء، وهي خلفية تاريخية أساءت بشكل كبير إلى صورة فرنسا لدى الأفارقة في الفترات الأخيرة.

ويبدو أن ماكرون حمل على عاتقه خلال ولايته الحالية مهمة تصحيح العلاقات بين باريس وأفريقيا، وطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، خصوصا أمام المنافسة الصينية والروسية بوجه خاص، ومخاطر تهميش الدور الفرنسي، خاصة وأن الفرانكوفونية في تراجع ملحوظ في بلدان القارة، أمام زحف الأنجلوفونية.

اعتراف لا اعتذار

Thumbnail

فتح ماكرون ملف العبودية في أفريقيا، معترفا بمسؤولية بلاده بها خلال القرون الماضية، ثم فتح واحدا من الملفات المعقدة في العلاقات بين باريس وشمال أفريقيا، ظل مسكوتا عنه ومحط خلافات داخلية، وهو ملف الاحتلال الجزائري الذي دام أكثر من 130 سنة، حيث اعترف بالمسؤولية الفرنسية في كل ما حصل من مجازر، لكن دون تقديم أي اعتذار، مما يجعل الملف قابلا لإعادة فتحه مرة أخرى؛ ثم فتح ملفا آخر لا يقل أهمية عن الملف الجزائري، بل يعد أصعب ملف يمس الهوية الأخلاقية لبلد الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان، وهو ملف المذابح الرواندية في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. وقد أطلقت الصحافة والباحثون الفرنسيون على الرئيس الفرنسي لقب فيه جانب من التندر، هو “المؤرخ ماكرون”، نظرا لأن جل القضايا التي ركز عليها منذ توليه الحكم عام 2017 ترتبط بماضي فرنسا في القارة الأفريقية.

وبعد 27 سنة من المذابح التي تعرضت لها أقلية التوتسي على يد حكومة من الهوتو مدعومة من باريس، قررت هذه الأخيرة اليوم النظر إلى الحقيقة وجها لوجه ومحو آثار العار والهزيمة الأخلاقية، بقرار من الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يجلس في نفس المكتب الذي كان يجلس فيه فرانسوا ميتران دون أن يفعل شيئا يمنع المجازر الوحشية التي استمرت بين 1990 و1994.

ماكرون يُدرك أن محافظة باريس على نفوذها في أفريقيا رهين بطي صفحة المجازر الرواندية التي تلطخ سمعة فرنسا في القارة

ماكرون حاول امتصاص غضب الروانديين خلال زيارته الأخيرة، حيث ألقى خطابا في العاصمة الرواندية كيغالي يوم 27 مايو الماضي، وصف بـ”التاريخي”، اعتذر فيه للروانديين وطلب من الذين “عبروا الليل” حسب تعبيره بأن “يتفضلوا علينا بالعفو”، واعترف بالمسؤولية عما حصل في تلك الفترة القاسية من التاريخ الرواندي خاصة والتاريخ الأفريقي المعاصر عموما.

لكن ماكرون، بحسب المراقبين، بالرغم من لهجة الخطاب الاستعطافية وتقديم نفسه كمن يتسول اعتذارا في اللحظة الأخيرة من الروانديين، لم يعترف بالمشاركة أو التواطؤ في المجازر التي حصلت ضد التوتسي، وإن كان قد اعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية، لكن هؤلاء يرون أن الاعتراف بالمسؤولية قد يؤول تأويلات متعددة، خلافا للاعتراف بالمشاركة غير المباشرة لحكومة ميتران في تلك المجازر، من خلال إطلاق يد الحكومة الرواندية آنذاك بكل حرية، وعدم التدخل للحيلولة دون وقوعها من البداية، وكان بإمكانها أن تفعل، بحكم أن الجنود الفرنسيين كانوا على عين المكان.

وقد اكتفى ماكرون باللجوء إلى الاستعارة والمجاز في خطابه، لتلافي الاعتراف بالمسؤولية المباشرة، حيث قال مثلا إن فرنسا “لها دور وتاريخ ومسؤولية سياسية في رواندا، ولها أيضا واجب، وهو النظر وجها لوجه إلى التاريخ، والاعتراف بجزء من الآلام التي سببتها للشعب الرواندي من خلال الحفاظ على الصمت حول كشف الحقيقة”.

تقرير المسؤولية الثقيلة

Thumbnail

كانت فرنسا قد قررت التدخل في رواندا لدعم الحكومة التي يقودها الهوتو، في مواجهة “الجبهة الوطنية الرواندية” التي تتشكل من التوتسي، والتي تأسست في أوغندا المجاورة في نهاية السبعينات كجمعية خيرية لدعم أفراد أقلية التوتسي المنفيين في رواندا، قبل أن تتحول إلى حزب سياسي مع نهاية الثمانينات.

واتُهمت الجبهة بكونها أداة في يد أوغندا، ووسيلة للتدخل الخارجي في الشؤون الرواندية، وفي أبريل 1994 تم اتهامها، ومن ورائها أقلية التوتسي، بالوقوف وراء إسقاط طائرة الرئيس جوفينال هابياريمانا، الذي لقي حتفه مع مقربيه، لتبدأ الشرارة الأولى للإبادة الجماعية التي ذهب ضحيتها ما يزيد على 800 ألف شخص، غالبيتهم من التوتسي، وعشرات الآلاف من المعطوبين.

وقد أنهت تلك المجزرة اتفاقية السلام المعروفة تحت اسم “أروشا” الموقعة في تنزانيا في الرابع من أغسطس 1993 بعد عامين من المفاوضات بين الحكومة والجبهة الوطنية الرواندية المتمردة، ونصت تلك الاتفاقية، المشكلة من خمسة بروتوكولات، على إنهاء الحرب الأهلية، وإدماج الجبهة في الحياة السياسية وباقي التنظيمات الأخرى، ما عدا تلك التي تتسم بالعنصرية تجاه أقلية التوتسي، ورحيل القوات الفرنسية، ويبدو أن هذا المطلب الأخير هو ما كان وراء التورط الفرنسي في المذابح، لأن باريس كانت ترى في خروجها من رواندا بمثابة قطع وريد حيوي يمدها بالحياة.

ويدرك ماكرون، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه قبل ثلاث سنوات، أن عودة العلاقات الفرنسية الأفريقية إلى طبيعتها، ومحافظة باريس على نفوذها في القارة يمثل الرئة التي تتنفس منها، يظل رهينا بطي صفحة المجازر الرواندية التي لا تزال تلطخ سمعة فرنسا في القارة، والتي لا تقل عن سمعة الناتو في مذابح سربرنيتشا في بداية التسعينات من القرن الماضي، مع الفارق.

فرنسا لديها مسؤوليات ثقيلة في ما حصل في رواندا فقد غضت الطرف بشكل مستمر بشأن دعهما لنظام عنصري وفاسد وعنيف

ولهذه الغاية شكل عام 2018 لجنة من المؤرخين يرأسها المؤرخ والباحث فانسنت دوكليرت، اطلعت على الأرشيفات في فرنسا ورواندا، وأصدرت في نهاية أشغالها تقريرا من 1200 صفحة معززا بالوثائق والصور، خلصت فيه إلى أن فرنسا لديها “مسؤوليات ثقيلة” فيما حصل في رواندا، وأن هذه المسؤوليات هي مسؤوليات سياسية لأن فرنسا “غضت الطرف بشكل مستمر في دعهما لنظام عنصري وفاسد وعنيف”.

وقد حرص، خلال ذلك العام، على أن ينحني لعاصفة الانتقادات التي انطلقت من داخل رواندا والقارة الأفريقية وفرنسا نفسها، عبر تقديم “هدية” إلى الحكومة الرواندية، بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس الرواندي بول كاغامي لباريس، التي كانت الأولى من نوعها له منذ العام 2011.

هدية ماكرون تمثلت في إعلانه دعم ترشح رواندا لتولّي الأمانة العامة للمنظمة الدولية للفرانكوفونية، في ما يبدو أنه صفقة سياسية تمتنع بموجبها الحكومة الرواندية عن إثارة مسؤولية فرنسا في المذابح، مقابل دعم فرنسي في ملفات متعددة. واتضح هذا الموقف من خلال سكوت الرئيس الرواندي، أثناء زيارته لباريس، عن الحديث في الموضوع أمام الصحافيين الفرنسيين، بالرغم من أن بول كاغامي ظل طيلة السنوات الماضية يثير الحديث عن تورط الحكومة الفرنسية في عهد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران.

وأدى الحديث عن تورط الحكومة الفرنسية في أحداث الإبادة إلى تجميد العلاقات بين البلدين منذ أن بدأت إثارة الموضوع قبل نحو عشر سنوات، حين حمل الرئيس الرواندي فرنسا مسؤولية ما حصل واتهمها بالتواطؤ مع حكومة كيغالي المشكلة من قبيلة الهوتو في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي.

7