مذبحة الأقباط اختبار للدور المصري في الحرب على الإرهاب

الثلاثاء 2015/02/17
مذبحة الأقباط تستهدف أمن مصر بضرب ثقافة التعايش فيها

القاهرة – الضربات الجوية التي نفذتها القوات المصرية، صباح أمس الإثنين، والتي استهدفت مواقع ليبية يتحصّن بها عناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي، ردّا على إعدام هذا الأخير لـ21 مصريا (قبطيا)، تفيد بأن القاهرة عدّلت استراتيجيتها في التعامل مع الأزمة الليبية في نظر البعض، غير أنّ البعض الآخر يرى أنها لا تتجاوز كونها مجرد ردّ ظرفي يهدف إلى تهدئة الداخل من جهة، ودفع القوى الدولية من أجل إيلاء الوضع الليبي المتأزم الأهمية التي يستحقها.

تفيد معظم المعطيات والمؤشّرات التي تتعلق بالشأن الليبي، منذ بداية الأزمة التي تعيشها البلاد، أنّ الأوضاع بلغت حدّا مأساويا في الداخل، وأنّ تداعياتها الخارجية، سيكون من الصعب السيطرة عليها، خاصّة بعد أن تمكنت الجماعات والميلشيات الإسلامية من التحكم في كثير من مرتكزات الدولة ومنشآتها.

كما أشارت ذات المعطيات إلى أنّ مصر تعدّ من بين أكثر الدول المتضررة من التمدّد الإرهابي الذي تشهده ليبيا، لأنّ خطر المتطرفين لم يعد يطرق أبوابها من الخارج فحسب، بل أضحى قائما في الداخل أيضا من خلال تنفيذ عمليات نوعية كبّدت الدولة المصرية خسائر بشرية لا تقدّر بثمن.

وعلى الرغم من ذلك فقد تعاملت مصر بحذر مع الأزمة الليبية، وفضّلت دائما الحلول السياسية والقبليّة، واختارت القنوات الرسمية، ولم تلوح باستخدام الحلول العسكرية، اعتقادا منها بوجود فخّ منصوب لها، يرمي إلى توريطها في ليبيا، قصد شغلها عن همومها الداخلية الّتي بلغت حدّا خطيرا بعد أن تراكمت حولها الأزمات بصورة لم تترك لها فرصة للتفكير في ضرورة التعويل على الحلّ العسكري أحيانا لتجنب العواقب الوخيمة، بل وكانت تنظر إلى مثل هذه الحلول الاستباقية، وفق مراقبين، على اعتبار أنّها نوع من “الترف الأمني”، الذي لا تستطيع مسايرته .

لكن التداعيات الأخيرة للوضع المتأزم في ليبيا، بعد إعدام 21 مصريا (قبطيا) على يد تنظيم “داعش”، يبدو أنّ مجابهتها عسكريا لم تعد تتنزل في سياق “التّرف الأمني” بالنسبة إلى مصر، لأنّ هذه الحادثة الإرهابية دفعتها إلى اتخاذ خطوة عسكرية معلنة، صباح أمس الإثنين، حيث قامت قوات سلاح الجو المصري بسلسلة من الغارات على مواقع تابعة لتنظيم “داعش”، وبعض مخازن الأسلحة، التي قالت مصادر أمنية مصرية لـ”العرب”، “إنّ إنشاءها تمّ بعلم جهات تركية-قطرية في مدينة درنة شرق ليبيا”، وهو الأمر الذي أوحى لكثيرين بأنّ مصر لم تقتص لضحاياها بهذه الضربات فحسب، بل ربما تكون هذه الخطوة إعلانا عن تغيّر في استراتيجيتها والمرور من مرحلة الحذر إلى مرحلة الجرأة.


تعامل خجول وواقع مرير


يرى مراقبون أنّ تعامل القاهرة بـ”خجل” مع الواقع المرير في ليبيا، منح خصومها فرصة ثمينة للتّصرف بمزيد من التعنت والصلف ضد مصالحها. فقد تكوّنت لدى هؤلاء انطباعات ثابتة مفادها أنّ مصر لن تجرؤ على التدخل عسكريا في العمق الليبي، حتّى لا تتضرر كثيرا، فهناك نحو مليون مصري يعملون داخل الأراضي الليبية، وهي تخشى عليهم من أيّة أضرار يمكن أن تطالهم. وعلى الرغم من أنّ عددا من المصريين العاملين في ليبيا قد تمّ قتلهم في وقت سابق، إلاّ أنّ القاهرة التزمت الصمت حيال ذلك، حتى أنّ بعض الأصوات المنفعلة كانت قد عابت ذاك الصمت على الحكومة المصرية وعلى الرئيس عبدالفتاح السيسي.

القاهرة تتحرك على محور دولي للمساواة بين داعش في العراق وسوريا وداعش ليبيا وتسرع في إنشاء مظلة أمنية عربية جديدة

مع ذلك لم تتغير استراتيجية الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي الحذرة، وفضل استثمار العلاقات المتشابكة مع رموز القبائل الليبية، ودعم الحكومة الجديدة، التي خرجت من رحم البرلمان الثاني الذي اُنتخب بعد ثورة فبراير، ونال الشرعية الدولية، بعد أن حلّ محل البرلمان السابق الذي هيمن عليه الفريق الإسلامي. لكن وعلى الرغم من التأييدين الإقليمي والدولي اللذين حظيت بهما الحكومة الجديدة، إلاّ أنّها فشلت في الإمساك بزمام أمور كثيرة، وخاصة إعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد.

هذا الأمر، دفع القاهرة إلى دعم اللواء خليفة حفتر و”عملية الكرامة”، التي تقودها قواته بغاية تحرير ليبيا من الإسلاميين المتشددين، بعد أن وجدت فيه وسيلة مناسبة تقيها حرج التدخل المباشر في ليبيا، وتحفظ لها مصالحها في المستقبل. لكنّ إمكانيات قوات حفتر المتواضعة لم تسعف المخرج الذي وجدته مصر، بل ربّما تحوّلت إلى مشكلة، لأنّها وضعت القاهرة في موضع كـ”من يدير حربا بالوكالة”. وحتى الضربات العسكرية السابقة (بالقرب من الحدود المصرية الليبية) والتي طالت أحيانا أهدافا في العمق الليبي (والتي أكدت مصادر أمنية مصرية أنّ القاهرة كانت ضالعة بالتعاون والتنسيق مع قوات أخرى في تنفيذها)، كانت الحكومة المصرية حريصة تماما على نفيها والتأكيد بالمقابل على أنّه لا تدخل لها في الأراضي الليبية.


خطوة ظرفية


عدد آخر من المراقبين لهم رؤية مخالفة لما سبق في ما يتعلق بتغيير القاهرة لاستراتيجيتها، حيث يرون أنّ الضربات العسكرية التي نفذها جيش الطيران المصري، تبدو خطوة ظرفية ونوعا من “الانتقام العاجل”، أكثر من كونها تغيّرا استراتيجيا حاسما في التصورات والتوجهات المصرية.

هذه الخطوة الظرفية، وفق رأيهم، فرضتها مجموعة من الاعتبارات أبرزها أنّ من تمّ إعدامهم جميعهم من الأقباط، وأيّ تهاون أو تقصير أو صمت حيال هذه العملية سيُحقّق هدفا مهمّا يبدو أنّ منفذيها يعوّلون عليه منذ البداية، مفاده “أنّ دم القبطي رخيص في مصر”، فتشتعل بالتالي بوادر فتنة طائفية، عرفت مصر كيف تبقيها خامدة إلى حدّ الآن. لذلك اجتمع مجلس الدفاع الوطني، أعلى جهة أمنية في مصر، بقيادة الرئيس السيسي، مساء الأحد، وقرر ضرب مواقع تابعة لـ”داعش”، صباح اليوم التالي، تنفيذا للقصاص الفوري، وتهدئة الرأي العام.

القيادة المصرية كانت على علم بتنفيذ عملية الإعدام، منذ يوم الخميس الماضي، وأنّها تعمّدت عدم تأكيد الخبر

وقد أكّدت مصادر مصرية لـ”العرب”، أنّ القيادة المصرية كانت على علم بتنفيذ عملية الإعدام، منذ يوم الخميس الماضي، وأنّها تعمّدت عدم تأكيد الخبر. وأوحت لجميع قطاعات الدولة بالتعامل معه كأنه لم يحدث، وبمواصلة التعاطف المادي والمعنوي مع ذوي الضحايا، لتأكيد اهتمامها بالقضية، بعد أن كانت قد وُجهت اتّهامات مباشرة للحكومة بـ”أنّها تقاعست ولم تعبأ مبكرا بهم، عندما كانوا محتجزين، وعندما كان داعش يفاوض على مبادلتهم بعناصر من التنظيم محتجزين لدى قوات حفتر”.

الطريقة التي تعاملت بها مصر مع الخطر الإرهابي المتربص على حدودها الغربية، خلال الفترة الماضية، أرجعه مراقبون إلى إخفاق تكتيكي وربما استراتيجي في التعاطي مع الأزمة الليبية. فقد كانت جميع المؤشرات تقول إنّ ليبيا أضحت “بؤرة لتفريخ الإرهاب”، وسكوت مصر على هذا المعطى، سوف يزيد من نسق التّداعيات والانعكاسات التي يمكن أن تطال أراضيها، في ظلّ صعوبة السيطرة على الحدود الشاسعة الفاصلة بين البلدين. ولعل حادث الفرافرة الذي وقع الصيف الماضي بالصحراء الغربية في مصر، يُعدّ خير دليل على ذلك.

الصبر الذي اتسمت به السياسة المصرية تجاه ليبيا، في ظلّ تنامي الخطر الذي يتهددها، يعيده خبير عسكري مصري، خيّر عدم ذكر اسمه، في تصريح لـ”العرب”، إلى أربع نقاط رئيسية تتمثل في:

*أولا، أن مصر كانت تدرك أنّ الأمور سيئة وأنها سوف تتطور حتما إلى ما هو أسوأ، وعندها ستبدأ في مخاطبة العالم بقوّة وجرأة أكثر، بخطاب مفاده أنّ ما يحدث في ليبيا على يد “داعش” لا يقل سوءا عمّا يحدث على يد نفس التنظيم في كل من العراق وسوريا، وبالتالي يجب ضمّ الفرع الموجود في ليبيا إلى أجندة الحرب الدولية لمكافحة الإرهاب، وبالتالي كسر شوكة بعض القوى الدولية الرّافضة لفكرة الحرب الشاملة على الإرهاب. وقد جاء حادث إعدام المصريين المثير للانتباه، ليدفع نحو هذا الهدف، حيث تغيرت الدفة الإقليمية والدولية، وبدت مهيأة للحديث عن “داعش” الموجود في ليبيا على غرار نظيره الموجود في كلّ من العراق وسوريا، وهو ما يحاول سامح شكري وزير الخارجية، الترويج له خلال زيارته الراهنة لنيويورك، وحضوره قمّة الإرهاب في واشنطن، اليوم الثلاثاء .

*ثانيا، أنّ مصر تولي أهميّة لموقف الجزائر، الرافض بشدة لأيّ تدخّل عسكري في الأراضي الليبية، وقد كانت العلاقات معها تسير بشكل جيد في ما يتعلّق بالتعاون والتنسيق، إلى أن بدأت الجزائر تميل نحو تبني سياسة تقضي باستيعاب جميع الفصائل والميلشيات بما فيها تلك التي ارتكبت أعمالا إجرامية واضحة. وعلى الرّغم من أنّ القاهرة لم تكن مقتنعة بوجهة نظر الجزائر (الّتي تسعى إلى إقناعها بالمصالحة مع الإخوان)، إلا أنّها لم تكن راغبة في الصدام معها، في وقت تتزايد فيه المصالح الاقتصادية بين الطرفين.

*ثالثا، أن مصر كانت تراهن على قوات حفتر من جهة، وعلى القبائل الليبية من جهة أخرى، فكانت تدعم الأول، وتتحاور مع الفريق الثاني، ونظّمت لقاءات عدة في القاهرة، لكنّها لم تثمر في مجملها حلولا كفيلة بإنهاء الأزمة التي بدت أضخم وأعقد من أن تُحلّ على طريقة المجاملات وتطييب الخواطر ومحاولات الاستقطاب والدبلوماسية الناعمة. وتبين لمصر بالتالي أنّها إزاء وحش يريد أن يزعزع استقرارها بأيّ شكل من الأشكال، ولن تصلح معه سوى القوة، التي كان خيار إظهارها بوضوح مطلوبا كعنصر ردع، من أجل تهيئة الفرصة لتدخل في إطار إقليمي-دولي.

مصر تخلت عن خجلها وحرجها، لكن لن تُقدم على جرأة ترى القيادة الحالية أنّها قد تكون مكلفة


محوران جديدان


أفاد الخبير العسكري بأنّ مصر، وعلى الرغم من الصعوبات التي تحول دون تدخلها عسكريا بصفة دائمة في ليبيا، لن تتخلى عن هذا الخيار تماما، والعملية التي تمّت صباح أمس، سارت في هذا الاتجاه ووجّهت رسالة مفادها أنّ الصبر المصري له حدود، وأنّها مستعدّة للتدخّل العسكري عند اللزوم، وجيشها الذي يتمّ تحديث معدّاته بتكنولوجيات متطورة، من أهمّهما طائرات الرافال الفرنسية، قادر على حماية الأمن القومي للبلاد. لكنّه أوضح بالمقابل أنّ هذا لا يعني إطلاقا أنّ القاهرة قرّرت فتح الجبهة الغربية على مصراعيها، فالضربات الجويّة، حتّى وإن تكرّرت فستكون خاطفة وليست دائمة، لأنّ مصر تتوقع مزيد اشتعال الأوضاع في اليمن، ولا تريد تكرار عمليّات التدخل السابقة. فالأوضاع أشد خطورة من ذي قبل، وهناك جهات تريد لها أن تقع في هذا الفخ الاستراتيجي.

وأضاف أنّ الخطّة المقبلة الّتي يمكن أن تسير وفقها مصر تتكون من محورين؛ الأول يتعلق بتوظيف الموقفين الإقليمي والدولي المتعاطفين مع موقفها، لتحريك التقديرات تجاه معاملة فرع “داعش” في ليبيا بمثل ما يعامل به التنظيم في العراق وسوريا، وتدشين حرب دولية حقيقية ضدّ الإرهاب بكل أنواعه وفي مختلف أماكنه، وربما تكون فرنسا وإيطاليا وروسيا من أكثر القوى الداعمة لمصر في هذا الاتجاه.

أمّا المحور الثاني، فيتعلّق بتفعيل فكرة المنظومة العربية الأمنية، بين مصر ودول الخليج (السعودية والإمارات والكويت والبحرين) بالإضافة إلى الأردن. وبالتالي تكوين مظلة يمكن توظيفها في الحالة الليبية والأزمة اليمنية التي تزداد تأزّما ووقف مخططات بعض القوى التي نجحت في توظيف الفراغ العربي لصالحها.

وحرص الخبير العسكري التأكيد، في ختام تصريحه لـ”العرب”، على أنّ مصر تخلت عن خجلها وحرجها، لكن لن تُقدم على جرأة ترى القيادة الحالية أنّها قد تكون مكلفة، مشيرا إلى أنّ العمل خلال الفترة المقبلة سيكون متسارعا من أجل الانتهاء من مسألة المظلة العربية، لأنّها المخرج الذي تراه القاهرة مناسبا لها في ظلّ هذه الأجواء، حيث تدرك أن تسويق فكرة الحرب الشاملة على الإرهاب تقف أمامها سلسلة من العقبات والمصاعب، تجاوزها لن يكون عملية سهلة.

6