مذكرات إيطالو سفيفو في "الحياة المضادة"

الخميس 2013/09/12
لم يحظ بشهرة لويجي بيرانديلّو

لم يحظ إيطالو سفيفو (1891 – 1928) بمثل ما حظي به معاصراه لويجي بيرانديلّو وغبريالي دانونسيو من شهرة واسعة، رغم أن النقاد يدرجونهم جميعا في طليعة الكتاب الذين كان لهم حضور بارز في مسيرة الأدب الإيطالي إبان القرن التاسع عشر ( نوفيتشنتو )، لأسباب ذاتية في المقام الأول، وموضوعية في المقام الثاني. وقد خصّه الدبلوماسي موريسيو سيرّا، سفير إيطاليا لدى اليونسكو، بكتاب عنوانه "إيطالو سفيفو أو الحياة المضادة" صدر أخيرا عن دار غراسيه بباريس، اقتفى فيه سيرة الكاتب، وتوغل في تفاصيل حياته الموزعة بين عمل إداري رتيب، شأنه شأن عملاقين آخرين هما بيسّوا وكافكا، وعيشة زوجية صاخبة، وبين إبداع فني لم يجلب له الاعتراف إلا في أواخر حياته.

باريس - يعترف المؤلف منذ البداية بأن سفيفو تجنب الأضــواء طوعا، وفصل بين معيشه اليــومي المتسم بالرتابة والملل، وبين عمل إبــداعي يتوق إلى الجدة والطرافة ويستفيد من النظريات الفرويدية في التحليل النفسي، فكانــت حياته صراعا وجوديا بين الإنسان والكاتب، وبالأحرى تعايشا عسيرا بين الحياة واللاحياة، وبحثــا عــن توازن بين وضعيته كفرد ينتمــي إلى الطبقة الوسطى، وبين تفتح غريزته الإبداعية. لذلك لم يكتف سيرّا بتقــديم رؤيــة عــن الروائي، بــل اتسـع اهتمامــه ليشمــل المرحلــة التاريخيــة والثقـافيــة التــي عــاش فيهــا سفيفــو.

هذا الكاتب الذي كان ينشر، على نفقته، كتبا لا تُقرأ، تحت اسم مستعار، ذلك أن اسمه الحقيقي هو إيتوري شميتز، خليط من الألمانية التي نبذها مثلما نبذ إمبراطورية النمسا المجر وآل هابسبورغ، والإيطالية التي تمسك بها تمسكه بمدينته ترييستا. لا أثر في كتاباته لموقف من الحياة الخاوية التي ينبذها المثقف ويتسامى عنها في نصوص تتخذها – مع ذلك – مادة للكتابة على طريقة فلوبير، أو تجعلها نقطة ارتداد إلى ماض تولّى في نفَس مثقل بالحنين كما هو الشأن لدى بروست، فحياته في واد ضحل خامل الذكر، وإبداعه في واد آخر، خصيب مزهر.

فقد تغاضى عما تخللها من أحداث، سواء في أدبه، أو في مراسلاته النادرة مع بعض أصدقائه، وخاصة مع أستاذه الشاب جيمس جويس الذي أخذ عنه الإنكليزية وهو في الأربعين. والحال أن لها من الخصوصية ما يؤهلها أن تكون منطلقا أو أرضية لعمل إبداعي، وحتى سيرة ذاتية لافتة.

فهو مواطن نمساوي حتى سن السابعة والخمسين، ثم إيطالي حتى وفاته، ويهودي من جهة جد مهاجر مجري الأصل، اعتنق المسيحية للزواج من قريبة التقى بها في جنازة والده، ثم اختار اللاغنوصية مذهبا، بل إنه أوصى بألا يصلي عليه عندما تحضره المنية لا قسّ ولا حاخام، فـ"ما جدوى الصلاة يومئذ لمن لم يصلّ في حياته ولو مرة واحدة " كما يقول. تلك الزيجة، وإن وفرت له عملا قارا في مصنع الأصهار وعيشة مادية مستقرة، حملت معها جرائر من يرهن رقبته لوليّ نعمته، حيث انعكست علاقة الهيمنة التي يلقاها في المصنع على علاقته بزوجته، في شكل مَهانةٍ مُذلة.

وبدل استغلال تلك العلاقات المتوترة، والمرحلة التاريخية المعقدة التي شهدت اندلاع الحرب الكبرى وسقوط إمبراطورية هابسبورغ ثم صعود الفاشية، آثر سفيفو استعراض حيوات أخرى، في "حياة" و"شيخوخة" وخصوصا في رائعته "وعي زينو"، بأسلوب جلب له احترام جويس، الذي يعده النقاد أبا الرواية الغربية الحديثة، ثم أوجينيو مونتالي، فيما استهجن آخرون بنيتها ولغتها. وهذا معاصره أمبرتو صابا مثلا كتب يقول في سخرية : "هو يفضل الكتابة بالإيطالية بشكل رديء ما كان يمكن أن يكتبه بالألمانية بلغة جيدة." وقال أيضا : " هذا رجل جعل من أدبه مقر حياته، ولكن حياته المضادة التي يريد أن يحملنا على نسيانها هي أكثر دلالة منها وزيادة."

ولا يعني ذلك أن سفيفو متشائم، فبرغم اطلاعه مبكرا على فلسفة شوبنهاور، كان أميل إلى المواقف المزدوجة، والأشياء غير المحددة، والأسئلة التي لا تحتمل أجوبة. مثل بطل "وعي زينو"، يستعمل سفيفو المرايا والأقنعة، فيبدو تائها في ثنائياته، غير ملتزم، ما يجعله يؤجل عمل اليوم إلى ما لا نهاية.

ذلك أن طي امتثالية مركزه الاجتماعي، تسكنه دوافع لا يأمن شرها إلا بالأدب، فهو وحده الذي يتيح له التعبير عن خلجاته بحرية. هذا إذا سلّمنا بأن المؤلف الذي يقترحه موريسيو سيرّا لا ينكب على آثار سفيفو بقدر ما يتناول الظروف الحافة بهــا.

كتــاب حافل بالمعلومــات والاستطرادات والإشارات الذكية التي تطلعنــا علــى ثقافة سفيفو العائلية وتطوره الاجتمــاعي، ودور الإرث اليهودي لأوروبا الوسطى في إثرائهما، وكذلك الأنسيــة اللائكية التــي تربى عليها صغيرا، برغم ميل سفيفو إلى التكتم والعيش خلف أقنعة سميكة، وهذا ليس بغريب على سيرّا المتخصص في هذا الجنس الأدبي، فقد حاز عام 2011 جائزة غونكور لأدب السيــرة عن كتــاب تنــاول فيــه حيـاة الكاتــب الإيطـــالي المشاغب كــورسيو مالابارت، وينتظـــر أن يصــدر لــه مؤلف جديــد عن عملاق آخر من عمالقــة الأدب الإيطالــي هو غابريالـي دانّونسيــو.

14