مذكرات "الفتاة الأخيرة" الناجية من الموت

نادية مراد الناجية من أهوال تنظيم داعش المتطرف تروي حكايتها وحكاية شعبها المنتهك.
السبت 2019/09/14
امرأة تحكي معاناة شعبها (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

لا تختلف نادية مراد الناجية من أهوال تنظيم داعش الدامية، عن ملالا يوسف تلك الفتاة الناجية أيضا من تفجير حافلتها المدرسية في بلدتها بباكستان. الفتاتان ضحيتان لأفكار الجماعات الإرهابية، وإن كان الفارق بين الحادثتين عاما واحدا، لكن أداة الفعل واحدة. وبعد نجاتهما قررتا أن ترويا لنا جزءا من المأساة عن قرب.

كتبت ملالا يوسف “أنا ملالا” في نوع من التحدي، وفازت بجائزة نوبل، وكتبت نادية مراد “الفتاة الأخيرة: قصتي مع الأسر، ومعركتي ضد تنظيم داعش”، رجاء منها في أن تكون قربانا تفدى به كل بنات جلدتها.

تنبع أهمية مذكرات نادية مراد المكوّنة من ثلاثة أقسام؛ الأوّل يتحدث عن حياتها في قرية كوجو الإيزيدية، والثاني عن أسْرها عند داعش وأهوال الأسر والاغتصاب، والثالث يبدأ بمغامرة الهروب من الموصل إلى كردستان بمساعدة أسرة سنية لجأت إليها بعدما هربت من سيدها، في رحلة وصولها إلى ألمانيا؛ من كونها شهادة من الداخل، وأنها أيضا تتجاوز الذاتي أو الفردي إلى العام (الجمعي)، فتمزج بين مأساة وطنها مع مأساتها الخاصة، فلا تجعل من ذاتها وما حدث لها بؤرة الحدث الرئيسية، بل تتراجع ذاتها كثيرا لحساب ما وقع لوطنها، وكأن الفرصة سنحت لها، لتسلّط الضوء على ما أصاب قومها من تهميش ونبذ وإقصاء، وسعي إلى محو هويتهم، وتجريدهم من ثقافتهم وتراثهم.

تفكيك الأكاذيب

في هذه المذكرات، الصادرة عن دار التنوير 2019، وبترجمة نادين نصرالله، وبتقديم موجز لمحامية حقوق الإنسان أمل كلوني، ترصد لنا نادية مراد جزءا مهمّا عن تنظيم داعش. كما تتخذ من سردها وسيلة لتصويب الأخطاء والافتراءات عن الإيزيديين خاصة في ما يشاع عن أنهم يعبدون الشيطان، ومن ثم تأتي سيرتها وكأنها ليست دفاعا عن نفسها، التي نجت من الإرهابيين، وإنما دفاعا عن هويتها، وتمسكا بها مثلما تمسكت بفرصة النجاة والهروب من أيدي التنظيم، بتفكيك الأساطير التي راجت عن قومها، وعن كون ديانتهم الإيزيدية ليست حقيقية، وعن بعض العادات الخاصة بهم مثل عدم الاستحمام يوم الأربعاء، وعدم أكل الخس، وارتداء اللون الأزرق. وكأنها تقول لنا ها هم الإيزيديون مسالمون، لا يملكون أي طموح للاستحواذ على المزيد من الأراضي أو السلطة، أو حتى السعي لضم الآخرين إلى الديانة الإيزيدية.

 كما تستعرض تاريخ القهر والإقصاء الذي تعرضت له طائفتها الإيزيدية، بسبب معتقداتها الدينيّة، سواء من العرب السنة أو الأكراد السنة المجاورين لبني قومها، أو من نظام البعث نفسه، فالكل يسعى إلى استمالتهم إليه، وخاصة نظام البعث الذي رغب في سلخهم عن الأكراد، ليكونوا له عونا في حربه ضدهم. لكن مشكلة الإيزيديين تتفاقم مع دخول الأميركيين إلى العراق، فبدأت القرى المجاورة لهم تأوي الإرهابيين الذين أدانوا المسيحيين وغير المسلمين السنة، واعتبروا الإيزيديين كفارا.

الكتاب يسرد مشاهد مؤلمة تفضح ما تعرض له الإيزيديون من ظلم وتنكيل، لكنها مليئة بالصور والخيالات العذبة

حالة الإقصاء لم تكن فقط على يد داعش، بل تسرد الرّاوِية الكثير من المآسي على هذا التاريخ المولع بالإقصاء، باعتبارهم “الغير” خاصة في التعليم الذي لم يأتِ على ذكر أي شيء عنهم، بل كان يُفرض عليهم باللغة العربية، وأي ديانة يجب أن تتبع. ومن ثم كانت هذه فرصة لتكون صوتا لقومها المقهورين، وهو ما آلت على نفسها القيام به. فهي لم تفصل مأساتها عن مأساة قومها وجماعتها، اللافت أنها قدمت مأساتهم على مأساتها.

ينتمي النص إلى جنس المذكرات، فكما هو واضح تركز الساردة على الأحداث المحيطة بها، وقد تصل إلى توجيه النقد إلى سياسات التخاذل التي رأتها. ومع هذا فهي تقترب بدرجة كبيرة إلى السيرة الذاتية حيث تلتصق الساردة بأناتها. إضافة إلى ما توفره السيرة من مساحات بوح أكبر مما تستوعبها المذكرات. وهو متحقق هنا في الكثير من المواضع، حيث تستعرض في البداية حياتها في قرية كوجو الكردية، وطبيعتها الجغرافية، وتكوين سكّانها، واهتماماتها التي كانت قائمة على الرعي، باستثناء الشباب الذي كان يتنقل إلى القرى السنية القريبة من أجل العمل في مهن مختلفة.

وتسرد مراد جزءا مهمّا عن أسرتها، وزواج أمها من أبيها بعد وفاة زوجته، وتقدم صورة ناصعة لأبيها الذي كان مشهودا له بالشجاعة والقوة والإباء بين عشيرته؛ كاشفة عن الكثير من العادات والتقاليد، التي يختص بها الإيزيديون سواء في الزواج أو في ممارسة الطقوس الدينية، كالصلاة وأوقاتها، وكيفية أدائها، أو أسماء الأعياد، وأيضا طقوس الموت التي تأخذ خصوصية عندهم، فالحياة بعد الموت عندهم مكان للمحسابة، حيث قد يُعاني الأموات كما البشر.

 الصوت الغالب هو الأنا الساردة العائدة على نادية مراد، فتسرد عن نفسها وعما شاهدته من وقائع، إلا أن بعض المشاهد لم تكن حاضرة فيها، ومع هذا تقوم بالروي -أيضا- بالأنا، وإن كانت تستعير أو تتقمص صوت الشاهد الذي حكى الحكاية لها، مثل ما حدث لأخيها سعيد وصديقه علي وقد فرا من مجزرة القتل، وبالمثل ما دار مع أخيها غير الشقيق خالد. تستحضر المشاهد المروية لها، وتقوم بعملية تذويت السرد، وتروي وكأنها شاهدة على ما حدث.

محاكمة المتخاذلين

قصة معاناة
قصة معاناة

لا يمكن لأي كتابة حول العراق أن تتغافل عن تأثيرات السياسة على الحياة العادية، فتسرد نادية عن حالة الظلم التي عانى منها الإيزيديون والأكراد من نظام البعث، ومن ثم جاء اجتياح بغداد عام 2003 بمثابة التحرير لهما، وأثر هذا على الأكراد، فقد كان هذا الاجتياح بداية لتحولهم من قرى صغيرة هشة إلى مدن عصرية كبرى تعج بالفنادق ومكاتب شركات النفط. كما تكشف عن أثر المساعدات الأميركية في تحويل سنجار إلى مركز كردي تابع لكردستان. وأيضا الخيانات التي حدثت من السنة الذين سلّموهم إلى داعش، والأكراد الذين خلفوا وعدهم، وهربوا إلى مناطق آمنة مع دخول تنظيم داعش إلى سنجار التي احتلها دون مقاومة تذكر، والأميركان الذين خذلوهم ولم يأتوا لنجدتهم.

مع بداية الفصل الخامس تكون قوات داعش قد حطت رحالها في جبل سنجار، فتأخذنا الساردة عبر رحلة موجعة تسرد من خلالها مخاوف الأهل التي تنازعت بين الهروب والبقاء، وممارسات رجالات داعش القهرية لإجبار الإيزيديين على دخول الإسلام أو قتلهم. وحصارهم في منازلهم حتى صارت أشبه بالسجن لهم، لا يستطيعون الخروج أو حتى إظهار أنهم بداخلها. وفي نفس الوقت كانوا منهمكين بمصادرة المنازل الإيزيدية، ونهب ما بها من مجوهرات وسيارات وهواتف خلوية. أما النساء، فكانوا يوزعونهن على المقاتلين في العراق وسوريا كسبايا. كما قتلوا الآلاف من الإزيديين وألقوا بجثثهم في مقابر جماعية.

لا تكف الرَّاوِية عن لوم كل المتخاذلين، وإن كان صبّتْ جام غضبها على السنة العرب، التي كانت ترى أن في إمكانهم مساعدتهم. كما تكشف وهي تسرد أفعال الداعشيين ضد الرجال والنساء، عن نقيض ما يروجونه عن أنفسهم، فهم لا همّ لهم إلا جمع المال والذهب من الرجال والنساء. كما أنها تعري أكذوبة التدين التي يخفون خلفها شياطين من الإنس، سواء في نظرتهم الشبقية إلى المرأة، وتلذذهم في التعذيب بكافة الأشكال التي تجعل من الضحية بمثابة الذليل.

تسرد مشاهد مؤلمة، مليئة بالصور والخيالات العذبة، والتي استطاعت المترجمة أن تنقلها في رقة وسلاسة، بل أوصافها لا تقف عند الخارج وتصوير الحياة في جوكو أو الطقوس المختلفة للإيزيدين، وإنما تتجاوز ذلك إلى دخولها في عمق النفس، وقدرتها على تصوير الانفعالات والخيبات والتعلق بالآمال وغيرها من أحاسيس مختلفة. كما تنقل لنا دقائق ما حدث معهن منذ أن دخل داعش إلى قريتها، وقتل إخوتها أمامها، ثم اصطحبها مع باقي النساء إلى الموصل، ليبدأ فصل مُقزِّز عن الاغتصاب والسّادية في التعامل مع النساء، ببيعهن كرقيق وسبايا لمن يدفع في سوق النخاسة، في مشاهد تعود بنا إلى عهود الظلام والجاهلية. وصولا إلى الزيجات التي كانت تتمّ في قاعات المحكمة، والتي وصفتها بأنها أشبه بالاغتيال البطيء للفتيات الإيزيديات.

15