مذكرات بابلو نيرودا

السبت 2016/10/22

في مفتتح قصيدته “الميلاد” يقول بابلو نيرودا:

أطل إنسان على الدنيا/ وسط كثيرين/ ممّن اجتازوا المخاض/ خاض غمار الحياة، وسط فيض من البشر/ ممّن ضربوا مثله في شعابها.

وتكشف مذكراته، التي ترجمها محمود صبح، وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أنه عاش بالفعل حياته بكل منعطفاتها: مرارتها وحلاوتها، فقرها وثراؤها، سكونها وصخبها، فحقّ عليه أن يذيّلها بعبارة “أعترف بأنني قد عشت”.

في النصف الثاني من السبعينات، قرأت تلك المذكرات، بتوجيه من صديق أديب ينتمي إلى جيل أسبق من جيلي، عايش “جماعة كركوك”، فبهرتني كثيرا، وعشقت صاحبها، وأعدت قراءتها بعد سنة، ولا تزال فقرات منها عالقة في ذهني، خاصة مغامرات نيرودا مع لوركا.

يتحدث نيرودا في الفصل الأول من مذكراته، عن ذلك العالم الذي ولد فيه وترعرع وشب ونما، واصفا إياه، بأسلوب شعري، بأنه عالم شاقولي، أمّة من العصافير، حشد من الأوراق، حيث يجتاز الغابة المملوءة بأشجار السرخس التي يزيد علوها عن قامته، تدع أن يسّاقط عليه، فوق وجهه المشرئب. “من لا يعرف الغابة الشيلية فهو لم يطأ هذا الكوكب الأرضي. من تلك الأراضي، من ذاك الطين، من ذاك السكون، خرجت أنا الأسير، لأغني عبر الكون”.

ويكتب نيرودا عن مرحلة الدراسة الأولى، والمعاناة والعذاب على درب تحصيل العلم وسط ظروف قاسية من الفقر. كانت المدرسة حقلا لمجالات عديدة خلال أعوامه الستة، فكل شيء كان له احتمال المجهول. وحين أخذ ينمو جسدا وعقلا صارت الكتب تثير اهتمامه، وتجول روحه عبر مناطق الحلم في حماسة “بوفالو بيل” (ممثل مسرحي وبطل فولكلوري أميركي)، وفي رحلات “سالغاري” (أكبر أدباء المغامرة في إيطاليا).

أما أول تجربة حب له فقد بدأت مع بلانكا ويلسون، ابنة حداد البلدة الشهير، وكان يكتب لها رسائل غرامية لا تنضب ولا تنتهي باسم صبي آخر، يعتقد بأنها ربما كانت باكورة أعماله الأدبية. بعدئذ تعرّف إلى شاعر اسمه ألفونسو وينز، عمّق نهمه الأدبي من خلال الكتب التي كان يزوده إياها، منها كتب لأبسن وروكامبل، فيلتهمها دون تمييز كما النعّامة.

ويمضي نيرودا في الحديث عن ظروف الأسى والفقر والكفاح في سبيل حياة أفضل، والتسلح بالعلم والمعرفة في مواجهة الحياة والأعباء “حياة الطلبة في غرف الإيجار، خلال تلك السنين العجاف، كانت جوعا على جوع. كتبت شعرا أكثر مما كنت كتبت من قبل، لكنني كنت آكل أقل بكثير…”. ويعترف بأنه التجأ إلى الشعر في سرعة الخائف الوجل، يكتب في اليوم قصيدتين أو ثلاثا أو أربعا، فجمعها لتنشر في ديوانه الأول “شفقيات” وهو في عمر الـ19 سنة. وقد اضطر إلى بيع أثاثه القليل وساعته وبدلته ليسدد تكاليف طباعته.

ثم يتحدث نيرودا في الفصول التالية من مذكراته عن الأحوال الاقتصادية، وأوضاع الحياة العامة في شيلي، ومشاركته في الحركة السياسية الشعبية، واصطدامه، مع زملائه الطلبة والعمال، بالشرطة أثناء مظاهراتهم في شوارع سانتياغو، وعن امتزاج السياسة في شعره وحياته، والأصداء التي تركتها شهرته حينما بدأت تنمو، وردود الفعل لدى الناس والحركة الثقافية، وعن عمله قنصلا لبلاده في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، ولقائه في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس بالشاعر لوركا، الذي حضر للإشراف على إنتاج مسرحيته “عرس الدم”، والمتاعب التي واجهاها من طرف خصومهما، وكذلك مغامراتهما مع النساء. ثم عن اغتيال لوركا، وعن تجربته الحزبية، والمرات العديدة التي جرى فيها ترشيحه لجائزة نوبل، والمتاعب التي سببها له ذلك الترشيح، وفوزه بها عام 1971. ويختم نيرودا مذكراته بالحديث عن إنجازات تلك الشخصية المجيدة للشعب التشيلي خلال فترة رئاسته.

إنني في الوقت الذي أستعيد فيه قراءتي لهذا الكتاب الفذ، الذي قلّ نظيره بين مذكرات الأدباء، أستحضر أيضا أشعار بابلو نيرودا ومسرحيته “تألق جواكان موريتا ومصرعه” المترجمة إلى العربية، وأتوق إلى قراءتها مجددا.

بابلو نيرودا، أشهد أنك قد عشت بالفعل، وتركت بصمتك على الثقافة الإنسانية، ومازلت حيا في ضمائرنا.

كاتب من العراق

15