مذكرات خروف

الأحد 2016/09/11

أيّها السادة أصحاب السكاكين والأسياخ والسواطير من القصّابين والشوّائين، أنتم ما عدتم تخيفونني، لم تعد ترهبني مراويلكم الملطّخة بالدماء، أقولها بعظمة لساني هذا الذي سوف يطبخ يوما في طنجرة بخاريّة، ويتلذّذ به أصحاب الألسنة الناطقة.

أقول قولي هذا دون ندم أو تبجّح، لا لأنّي خروف أهوج يسابق القطيع إلى حتفه -معاذ الله- فتلك مشيئة الخالق في خلقه، وقدرنا -نحن معشر الأغنام- أن نشوى على نار الدار الأولى.

ولطالما نظرت إلى رؤوس العشرات من زملائي وبين أسنانها الضاحكة عرق من البقدونس.

شاهدت جلودنا يفترشها أهل العلية في خيامهم وقد تدثّروا بفرواتنا.. حتّى أنّي لمحت البارحة قرني والدي يستخدمان كمشجب لتعليق العباءات.

قيل إنّ الإنسان حيوان ناطق وها أنا أنطق مجازا، وقيل إنّه حيوان ضاحك، وسأضحك يوما فوق أطباقكم، وقيل إنّه حيوان عاقل.. وهذا أبعد عن نخاعي الصغير.

أستغرب من “نزعة القطيع″ التي تتّهمون بها بعضكم، نحن معشر القطعان نتّبع كبيرنا ليأخذنا إلى مواطن العشب والمياه في مأمن من الذئاب، أمّا قطعانكم البشرية فغالبا ما تعجب بالرأي الفاسد.

أنا لا أهاب سكاكينكم، وسأسلّم رأسي لأيّ يد تمتدّ إليّ، وأعلم أنّ العلف الجيّد يعقبه سكّين حاد.

كنت صباح هذا اليوم في سوق الأغنام -أعجب لهذه التسميةـ (وكأنّنا نحن الذين نبيع ونشتري في هذه السوق).. اقترب منّي أحد النخّاسين، مسح على فروتي ثمّ جسّ ليّتي (أنتم تعلمون أنّ الخرفان بالليّات)، فتح ذراعيه وحضنني ثمّ رفعني إلى الأعلى وأنزلني أرضا، وقال لمالكي “أريد هذا” (نحن الأغنام لا نحتاج إلى أسماء)، قبض سيّدي النقود، دسّها في جيبه ثمّ سلّمني إلى مالكي الجديد.

غريب أمركم معشر البشر.. كم تحبّون النقود! شخصيا لا ألتهمها إلاّ لسد رمقي حين ينعدم العشب -عذرا على الاستطرادـ اقتادني معلّمي مع مجموعة من الزملاء وقصد بي مسلخ المدينة ويا للمشهد المرعب!

شاهدت العشرات من بني جلدتي وقد خرجوا من جلودهم وتركوا رؤوسهم وأمعاءهم، وخُتم فوق أفخاذهم واصطفّوا في البرّادات.

الحقيقة أنّي لم أخف.. فقد حدّثتني أمّي عن هذا، ثمّ أعقبت “نحن الإناث ننتهي جثّة هامدة في زريبتنا أو هديّة لذئب عجوز حين نبلغ أرذل العمر”.

اقترب منّي البيطري، فحص فمي، قبض على فروتي فهرّ بعض الصّوف، ثمّ قال لمساعده “هذا غير صالح للذبح، إنّه مريض ولحمه غير صحّي”.

لا أخفيكم أنّي فرحت بعض الشيء، وانتابني إحساس بأنّي مثل الطائر الحر، تقدّره العرب ولا تشوي لحمه، لكن هيهات، فلقد باعني سيّدي إلى جزّار في حيّ فقير، وها هو الآن يسنّ سكاكينه ويجهّز سواطيره لذبحي.

أنا - وأعوذ بالله من كلمة أنا- خروف يعرف مصيره جيّدا بين مخالب الذئاب في البراري أو في المدن، ها هو الجزّار يقترب بسكّينه.. باي.. قصدي.. باااع.

24