"مذكرات عربجي".. فضح ساخر لمتلوني السياسة ومدعي الثقافة

المؤلف سليمان نجيب يكسر الصورة الملائكية عن ثورة1919 ويختار مهنة العربجي ليبدو قلمه سوطا يلهب ظهر المجتمع.
السبت 2019/01/19
ثورة 25 يناير أعادت كتاب العربجي لصدارة الاهتمامات

لم يهدف كتاب “مذكرات عربجي”، الصادر منذ حوالي مئة عام في مصر إلى التسلية والترفيه كما يوحي اسمه للوهلة الأولى، بل كان مرجعًا للكتابة الساخرة والنقد الاجتماعي، وأكسبته ثورات الربيع العربي وروافدها اهتماما كبيرا من المدافعين عن الأنظمة الحاكمة والمعارضين لها على حد سواء بفضحه تلوّن بعض السياسيين بعد الثورات وأكلهم على كل الموائد.

مثّل كتاب “مذكرات عربجي”، للفنان سليمان نجيب، وقت صدوره عام 1922 صدمة في الوسط الثقافي بمصر، بسبب جرأته على توجيه انتقادات حادة للصراع السياسي على السلطة وأضراره الاجتماعية وفئة المنتفعين والقافزين على المشهد السياسي والإعلامي في الفترات التالية للثورات، بلغة تزاوج بين الفصحى والعامية، وسلاسة أسلوبه الشبيهة بلغة السيناريو السينمائي.

كان الكتاب تلخيصا لسلسة مقالات كتبها نجيب بمجلة “الكشكول” الشهيرة على مدار ثلاثة عوام تحت اسم “الأسطى حنفي أبومحمود” المستعار، وأثارت جدلا حول الشخصية الحقيقية التي وقفت وراء المقالات، ودفعت بكتّاب كبار للاشتباك معها في ظل ثراء أفكارها وتقلبها ما بين السياسة والنقد الاجتماعي، وتفجير قضايا خفية بلغة سلسة لا تخلو من الطرافة.

قدّم “مذكرات عربجي” معالجة لثورة 1919 في مصر تبدو مغايرة تماما للصورة ناصعة البياض التي تنقلها السينما والدراما وبعض المؤلفات التاريخية التي تحظى بقدسية في تاريخ الثورات، ووفّر معايشة حية للفترة التي صاحبت خروج الجماهير للشارع احتجاجا على اعتقال الزعيم سعد زغلول ونفيه وعدد من زملائه من الوطنيين، واستمرارهم في الشارع لعدة شهور من أجل تحقيق مكتسبات الثورة ومطالبها كاملة.

يمنح التاريخ بعض الكتب أهمية خاصة حينما يعيد نفسه، فتصبح تجارب السابقين دروسا مستفادة ومحورا لتخطيط المستقبل، لكن حيادية التناول والأهداف تظل عنصرا هاما في التقييم، فإذا كان المؤرخ أو الكاتب غير منحاز، فإن قلمه يقدّم رؤية شاملة للأحداث تسمح للاستقاء من أحشائها ما ينير الطريق للأجيال التالية.

تحتفل مصر بمئويتها الأولى لثورة 1919 بدءًا من يناير الحالي وحتى 9 مارس المقبل الذي سيشهد احتفالية ينظمها حزب الوفد الليبرالي من المقرر أن يحضرها رئيس الوزراء ونواب البرلمان وقادة الأحزاب السياسية، باعتبارها الخطوة الأولى للسيادة المصرية، ولحظة استدعاء للوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وشرارة لتكوين رأسمالية صناعية محلية والموجة الأولى من الحركة النسوية أيضًا.

قدّم المؤلف نقدا لاذعا لحالة الفرقة بين التيارات المتواجدة على الساحة السياسية بعد فشل مصر في انتزاع استقلالها بمؤتمر الصلح بباريس، وإصدار بريطانيا تصريح فبراير 1922 من طرف واحد تنهي فيه حمايتها على مصر لتصبح دولة مستقلة ذات سيادة، لكنها احتفظت بحق تأمين مواصلات إمبراطوريتها، وحقها في الدفاع عنها ضد أي اعتداء أو تدخل أجنبي، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات فيها، وإبقاء الوضع بالسودان على ما هو عليه.

اختار الكاتب مهنة العربجي في مذكراته ليبدو قلمه كسوط يلهب ظهر المجتمع، ورأى أن الأمة كلها في حاجة للعلم
اختار الكاتب مهنة العربجي في مذكراته ليبدو قلمه كسوط يلهب ظهر المجتمع، ورأى أن الأمة كلها في حاجة للعلم

متحولو السياسة

تسبّب التصريح البريطاني في انقسام الأحزاب السياسية، ففي حين اعتبره حزب الأحرار الدستوريين برئاسة عدلي يكن باشا أساسا طيبا للاستقلال، وأعلنت الحكومة برئاسة عبدالخالق ثروت تأييدها وشكلت لجنة لوضع الدستور، أكد حزبا الوفد والوطني أنه أكبر نكبة على البلاد، ووصفا لجنة إعداد الدستور بـ”تجمع الأشقياء”. وقدم سليمان نجيب صورة كاريكاتورية للمتحولين سياسيا الذين يحاولون مسك العصا من المنتصف، مثل أحمد بك الشيخ الذي عرف الظهور على صفحات الجرائد بكلام لا يسمن ولا يغني من جوع، فابتدأ حياته السياسية بـ”لا رئيس (رئيس الوزراء) إلا سعد زغلول،” ثم تحول قليلاً إلى”عدلي فوق الجميع”، ثم صاح بعدها بـ”لا حياة إلا ثروت”، منتهجًا مبدأ “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.

أكمل الكاتب الصورة بقصة طريفة لأحمد بك المعروف إعلاميا بأنه “سعدي صميم (مؤيد لسعد زغلول)” فاستوقفه وكان ساهما حائرا فلما ركب الحنطور قال للسائق “انطلق على بيت سعد باشا (بيت الأمة)، وغير رأيه في ثانية إلى “لا بيت عدلي باشا”، ثم عاد وطالبه ببيت سعد باشا فلما وقف العربجي أمام بيت الأخير، ورفع الرجل غطاء الحنطور عنفه الراكب بصوت حاد “قلت لك بيت عدلي وليس سعد.. الله يفضحك يا غبي”.

وأشار إلى انتهازية بعض السياسيين وانتفاعهم من الالتصاق برجال الحكم بمحاولة كثيرين الهروب من دفع أجرة عربة الحنطور، ودخولهم من باب وخروجهم من الآخر واضطرار فريق الخدم في بيت سعد زغلول تسديد الأجرة أكثر من مرة عن المتهربين، قائلاً “كان بيت الأمة يدفع من مال الأمة لجدعان القضية الوطنية حتى أجرة عرباتهم”.

وركز على دونية الساسة الذين يرتدون أغلى الثياب بساعات ذهبية وخواتم ماسية وجيوب دائمًا عامرة كأنها تنفق من ريع لا ينضب، ناقلا جزءا من نمط حياتهم بالنوم لمنتصف النهار والسهر طوال الليل والخبرة الكبيرة بعالم الجنس اللطيف وحملهم لقب “مفتاحجية” (كلمة مشتقة من المفتاح وتعني قدرته على فتح قلوب النساء المغلقة)، معتبرا أن لتلك الشخصيات الجوفاء على مسرح السياسة بكل الدول وجود ضروري لتفريج “الهموم عند نزول الضيق”.

المندسون القدامى

يحلو كثيرا لمعارضي الربيع العربي التطرق للأجزاء المرتبطة بالفئات المندسة بين المتظاهرين في “مذكرات عربجي”، ومحاولة المقارنة بين الثورات العربية وأحوال بعض المشاركين في ثورة 1919 الذين لا يهمهم بقاء الاحتلال أو رحيله بل فقط جذب أنظار الفتيات، فلا يهتفون إلا عندما تمر عربة تقلّ سيدات حتى تتفجر حناجرهم من الصراخ، ومن فرط اللامبالاة لا يمنحون تركيزا لما يتردد على ألسنتهم التي تهتف “تحيا المرأة العصرية” بدلاً من “تحيا الأمة المصرية”.

روى المؤلف وقائع مشينة ضمن بعض المظاهرات من إشارات للمواعيد الغرامية وتبادل الابتسامات أثناء اشتعال وطيس الهتافات، وحمل عربته بين الهرج والمرج زبونا من المنادين بالاستقلال التام والشاكين في الوقت ذاته من الألم والبعد ليقضي مع فتاة اصطحبها وقتا على مبدأ “ساعة لقلبك، وساعة لربك، وساعة للوطن”، وقد يستغل أحدهم مظاهرة ليحولها لمحادثة غرامية تنتهي بتبديل رقم السيارة، برقم الهاتف المنزلي وتحديد موعد لحديث عاشق.

مثل كتاب "مذكرات عربجي"، للفنان سليمان نجيب، وقت صدوره عام 1922 صدمة في الوسط الثقافي بمصر، بسبب جرأته على توجيه انتقادات حادة للصراع السياسي على السلطة

وحتى جنازات شهداء التظاهرات فقدت خشوعا بمعاملتها كالأفلام السينمائية. شاب يعرض على عشيقته أن يصطحبها لعيادة صديقه الطبيب المطلة على تجمع المشيعين لتشاهدها مع تناول مشروب بارد، أو توقف البعض بسياراتهم بالميادين لمتابعتها، أو حتى امتلاء الشرفات بالمشاهدات اللاتي يجذبن أنظار المشاركين فتتعالي رؤوسهم لأعلى مخالفة المشهد المهيب أو البحث عن ابتسامة تتبعها إشارة ثم انفلات لكلمات من اللسان نصها “هكذا فليكن حب الوطن.. هكذا نعشق الحرية”.

يعتبر الكتاب أول مؤلف عربي يتتبع انتشار المخدرات التي طرقت البلاد العربية بعد الحرب العالمية الأولى، وقبل ثماني سنوات من ظهور كتيب “الحرب العامة على المخدرات السامة” الذي أصدرته جمعية النساء القبطيات لحظر المواد السامة، وأكدت فيه أن الإدمان انتشر بجميع الأوساط الاجتماعية بمصر، حتى بات أحد الأحياء الشهيرة معروفًا بـ”مصنع الكوكايين”.

وقدم نوعًا من الصحافة الاستقصائية بقصص إنسانية لأثرياء جال معهم “العربجي” القاهرة بحثا عن غرام من الكوكايين، وتأثيرات الإدمان الصحية والاجتماعية على المتعاطين وتلاعبها بالعقول والجيوب، والفئة الجديدة من المهمشين الذين أصبحوا أثرياء يملكون قصورا عبر تلك التجارة التي ضمت بعض الرتب الصغيرة من رجال الأمن الذي يحمون البائعين ويقاسمونهم المكسب.

وكشف أن فترات عدم الاستقرار السياسية مثل الأزمات الوزارية يكون فيها العثور على غرام من المخدرات أصعب من وجود رئيس وزارة، فيظل في عربته ومع زبون من الشباب الناهض يطرقان بيوتًا نام سكانها فيكون ثمن الغرام مضاعفا، إذ يضيف إليه “حضرة البائع المحترم” بدل إقلاق الراحة.

تبع صدور الكتاب تركيزا من الصحف على تلك التجارة غير المشروعة لتُفرد مساحات لقصص عن شباب سرقوا أبواب المقابر وسيدات بعن ملابسهن ورجال عرضوا بناتهم لممارسة البغاء من أجل المخدرات، وكانت أغربها وفاة حامل في الشهر الثامن بصعيد مصر ابتلعت كميات كبيرة من “الكوكايين” لتهرب من مداهمة الشرطة المفاجئة لمنزلها.

فضح المجتمع

ما يميز كتاب “مذكرات عربجي” أنه قام بتعرية المجتمع أمام نفسه وكشف أمورا مخفية بالأسر المصرية، ليرصد تضييع سيدات بيوت ينتمين إلى أحياء الوطنية أموال أزواجهن على المقامرة بنوادي الأجانب حتى الاضطرار للاستدانة لدفع أجرة العودة للمنزل، أو فتيات الطبقات الراقية اللاتي ينزلن للتنزه مع غرباء طوال الليل، ويعدن قرابة الفجر تحاشيا لغضب عائلاتهن.

تطرق الكتاب أيضًا إلى ظاهرة الزواج المبكر وعدم التناسب بين الطرفين من خلال مثال عمدة قرية شارف على الستين وكان من منتفعي الحرب العالمية الذين امتلأت خزائنهم بالأموال جراء ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بما فيها القطن، ليقرر العجوز أن يتمتع بالثراء بتكرار الزواج حتى انضمت إلى قائمته فتاة لا تتجاوز 16 عاما من القاهرة ناقلا حديثه معه الذي يشي بالشقاق الدائم بين الشباب الغض الساعي إلى حياة هادئة ناعمة توافقه، والسن المتقدم الذي لا يريد إلا حياة رجعية محضة.

الكتاب قدم نوعا من الصحافة الاستقصائية بقصص إنسانية لأثرياء جال معهم "العربجي" القاهرة بحثا عن غرام من الكوكايين وتأثيرات الإدمان الصحية والاجتماعية على المتعاطين وتلاعبها بالعقول والجيوب
الكتاب قدم نوعا من الصحافة الاستقصائية بقصص إنسانية لأثرياء جال معهم "العربجي" القاهرة بحثا عن غرام من الكوكايين وتأثيرات الإدمان الصحية والاجتماعية على المتعاطين وتلاعبها بالعقول والجيوب

هاجم الكاتب مدعي التدين بقصة شاب يحمل مسبحة يخرج مع صلاة التراويح في شهر رمضان ليضرب موعدا مع فتاة كان يحادثها وأصابعه تمر على حبات السبحة بانتظام، متهكما من تلك النوعيات بأنها “خرجت من صلاة إلى أخرى”، أو سيدات يخرجن للشارع بملابس شديدة الاحتشام ببرقع يغطي وجوههن، ليستبدلنها بأخرى متعرية خليعة داخل عربة الحنطور.

وجه سليمان نجيب انتقادات مبطنة لتهالك البنية التحتية في مصر خلال العشرينات من القرن الماضي من خلال حادث تعرّض له عربجي بسبب انتشار السيارات في أيدي المترفين العابثين الذين لا يراعون السرعة، ليصدم أحدهم بأعمدة قطارات الترام المتهالكة فيسقط أحد الأسلاك على الحصان وتدمر العربة ويفقد معها العربجي ثلاثة أصابع من يده.

مثّلت رحلة علاج العربجي بنقله لمستشفى “قصر العيني” مثالاً للنقد فلم يجدوا له سريرا، فبسطوا له قطعة من الصوف على الأرض وأطلقوا عليه “مريض رقم 5.5” لوقوعه بين السريرين رقمي “5 و6” ، بعد مشاجرة بين اثنين من الممرضين كانا يحملانه على النقالة وتهديد أحدهما الآخر بضربه بجسد المريض المحمول على أكتافهما.

أكمل الصورة الكوميدية بهجوم من طلبة مدرسة الطب علي جسد العربجي لمعاينته وكأنهم “جوعى وجدوا طعاما” ليقلّبوا جسده يمينا ويسارا ويديروا نقاشا حول حالته، فمنهم من يرى أن حالة المريض خطرة تستدعي عملية فورية، وآخر يطالب بالتمهل وببتر ذراعه كلها، وثالث يقترح البحث عن جرح غائر لمعاينته في القدمين أو الظهر، وأخيرًا تم الاتفاق على بتر أصابعه فقط.

وانتقد تطبيق القوانين على الفقراء فقط، ففي رحلاته إلى منطقة حدائق القبة الراقية يفرض رجال الأمن عضلاتهم على المدنيين حال مخالفتهم اللوائح أو الآداب العامة ويتحولون إلى قطط مسالمة حال وجود جندي إنكليزي بالموقف ذاته أو “دفع” 5 جنيهات في الأيدي كرشوة تذلل جميع الصعاب وتعطي بنود التشريع ومطبقها إجازة مؤقتة.

اعتبر التعليم حصن الفقراء من أجل واقع أفضل لأبنائهم، فالعربجي بعد تعافيه كان يبيع “أنقاض عربته ويؤجر إسطبل الخيول لإبعاد نجله عن صنعته المُحتَقرة مستثمرًا في مستقبل أفضل لولده.

اشتهر الفنان سليمان نجيب بأدوار الأرستقراطي بالسينما المصرية، النابع من حياته الحقيقية، ونشأته بطبقة راقية، فبعد تخرجه في كلية الحقوق عمل قنصلاً لمصر في إسطنبول، لكنه تفرغ لاحقا للفن، وكان أول مصري يشغل منصب رئيس دار الأوبرا، ومنحه الملك فاروق درجة البكوية، ولم يشغله شيء عن الفن طوال حياته فرفض الزواج خشية افتقاره إلى أن توفي في يناير 1955.

ما يثير الاستغراب في “مذكرات عربجي” الاتهامات التي شنّها على طبقة الأغنياء التي ينتمي إليها؛ بدءا من احتقارهم للفقراء وممارستهم أفعالا منكرة بعلاقات تصل للشذوذ ووعود لا يحفظونها بحجة “أن لذة الهوى في التنقل” وطبقة السكرتارية والمتملقين، وبدا سليمان نجيب كما لو كان عربجيا بالفعل بتقديمه شرحا نفسيا لكل طبقة اجتماعية بطريقة جلوسها وحديثها.

اختار مهنة العربجي بمذكراته ليبدو قلمه كسوط يلهب ظهر المجتمع للتغيير، كما تبدل الخيول سرعتها بمجرد شعورها بتحرك يد العربجي، ورأى أن الأمة كلها وليست مصر فقط في حاجة ملحّة للعلم لتداوي أمراضها، ودافع عن حقه كفنان في ممارسة الأدب والنقد فصنعة الكتابة لم تكن يوما قاصرة على طبقة دون غيرها، وخلق انطباعا بأن الحكمة وحلول المشكلات قد تأتي من أكثر المهن تواضعا.

16