مذهبية إيران ومشروع تقسيم العراق طائفيا

بعدما اختطفت إيران المذهب الشيعي وطوعته لخدمة مشروع تصدير ثورتها، وبعد أن أعلن مسؤولوها عن أن بغداد هي عاصمة إمبراطوريتهم المنشودة ها هي اليوم تستعمل شيعة العراق والموالين لها من سياسيين من أجل جعل البلد محمية طائفية لها ومستبقة المشروع الأميركي المؤجل في تفتيت العراق إلى كيانات طائفية، الولاء عندها للمذهب وليس للوطن بوصفه الهيكل الجامع لكل تشكيلاته الإثنية والعقائدية والدينية.
الجمعة 2015/05/22
أدوات تقسيم العراق هي حكامه وأمراء الميليشيات الطائفية الخاضعون لسلطة الولي الفقيه

في طريقهم إلى قعر الهاوية يظهر سياسيو الشيعة في بغداد تمسكهم بآخر بنود المشروع الإيراني الذي ينص على اللجوء بالجزء الجنوبي من العراق إلى إيران ليكون محمية إيرانية في حالة عجزهم عن إدارة شؤون المناطق ذات الغالبية الشيعية، ناهيك عن العراق الذي فقد مقومات وحدته في ظل حكمهم.

ما ورد سابقا ليس تكهنا وليس استنتاجا شخصيا، بل هو الموقف الذي صارت وسائل التعبئة الجماهيرية الرسمية وغير الرسمية في بغداد والمحافظات ذات الأغلبية الشيعية تروّج له اليوم بين صفوف أتباع المذهب، المغرر بهم سياسيا.

وهذا ما يعني القفز على فكرة التقسيم التي تبدو مؤجلة أميركيا والانتقال إلى مرحلة المطالبة الجماهيرية بالانفصال عن بلد لم تعد مكوناته قادرة على التعايش، من وجهة نظر زعماء الميليشيات وأمراء الحرب المدعومين من إيران.

كان نوري المالكي وهو عرّاب الانفصال الشيعي قد سعى عبر حقبته في الحكم إلى صنع بيئة نفسية وثقافية، كان من شأنها أن تحرض ما صار يطلق عليه بالمكونات العراقية على التفكير في مسألة تقرير المصير. بمعنى أن يبحث كل مكون عن مستقبله منفردا. وهو ما رفضه السنة الذين صاروا وحدهم يُلقبون بالعرب، فيما كان بالنسبة إلى الكرد هو المبدأ الذي لا يمكنهم التنازل عنه.

غير أن تفكيك دولة لها تاريخها مثل العراق لا يمكن أن يتم بالتّراضي وبطريقة يغلب عليها طابع القبول بالأمر الواقع. فما لم تتوفر الأسباب القاهرة لذلك التفكيك فإن كل شيء سيبقى على حاله، وهو ما كان المالكي يدركه حين سعى بكل ما يملك من أجل دفع المناوئين لحكومته في غرب العراق إلى الانتقال من الاعتصام والتظاهر والمطالبة السلمية بالحقوق المدنية إلى حمل السلاح وإعلان العصيان المسلح بما يبرر قيام حرب أهلية جديدة، تكون الأطراف المشاركة فيها هذه المرة مسلّحة.

لقد خيب ما صار يُطلق عليهم سكان المدن السنية آمال المالكي حين رفضوا الانخراط في مشروعه التدميري، بل أفصحوا عن امتناعهم عن المشاركة في تقسيم العراق، حتى وإن كان ثمن ذلك الامتناع أن ترتكب في حقهم المجازر، كما حدث في بلدة الحويجة، يوم قتل الجيش خمسين معتصما سلميا أمام عدسات التصوير. اليوم تشعر أطراف شيعية أن الحرب على داعش قد لا تؤتي أكلها من جهة تركيز القناعة لدى سنّة العراق بضرورة فك الارتباط بالعراق التاريخي الذي صار يدار من طهران، بالرغم من أن تلك الحرب كانت قد ألحقت بهم أضرارا فادحة، وهو ما دفع تلك الأطراف إلى أن تسعى إلى أن تنجز بنفسها ما كانت تعول في إنجازه على الآخرين أو على الضرورة التاريخية.

لذلك تراجع الحديث عن الوحدة الوطنية لدى المسؤولين الرسميين، فيما صارت التصريحات الجانبية وخطب رجال الدين وأقوال وتصريحات الإعلاميين المجندين طائفيا تركز على “هم” و”نحن”، “مدنهم” و”مدننا”، “شبابنا” و”شبابهم”، “نفطنا” و”فوسفاتهم” إلى نهاية تلك الثنائية المنغمة التي يُراد من خلالها تمرير كذبة وجود شعبين على مساحة واحدة لم تعد تتسع لهما معا. أما الشعب الثالث فتبدو إيران مرتاحة ليأسه من المعادلة العراقية التي لن تستقيم.

غير أن ما لا يدركه الكثير من المضلَلين والمغرّر بهم من أبناء الطائفة الشيعية أن سياسييهم لا يملكون مشروعا سياسيا وطنيا يمكنهم من خلاله أن يقيموا بعد الانفصال الذي ينادون به اليوم دولة حديثة أو على الأقل وهْمَ دولة.

فالدولة الشيعية إن قامت لن تكون سوى محمية إيرانية ويكون سكانها عبيدا في ظل حكم ولاية الفقيه. وهو استحقاق تاريخي سيكون عليهم القبول به بعد أن تخلوا بأنفسهم عن حقهم في أن يكونوا أبناء وطن واحد يجمعهم بإخوتهم العراقيين. نهاية مأساوية من هذا النوع قد لا تقع بالرغم من أن هناك جهات شيعية عديدة قد وضعتها قيد التداول الشعبي.

13