مرآة الإعلام.. شعار "مصر أولا" لم يغير طبيعة المركز الحقيقي

نحن محكومون بنظرة استشراقية مهينة، ومنذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والحماقات تسعى بإلحاح إلى تأكيدها، وتصويرنا كارهين للبشر أعداء للحضارة.
الأحد 2018/10/14
شعار أقرب إلى جهاز تعويضي لمعاق (لوحة الفنان غسان عويس)

ربما يؤرخ لهذه المرحلة المصرية المرتبكة، بشطري بيتين من الشعر، سيتأرجح بينهما المؤرخ فيرتبك ويحار، ولن يعرف هل يصدّق الشعر، أم يلتمس طرقا أخرى لرسم صورة موضوعية للواقع؟ ففي بيت الشريف الرضي "وما آفة الأخبار إلا رواتها" جناية على الصحافيين، وحسن ظن بقدرتهم على نشر ما يتوصلون إليه من أخبار من مصادر موثوقة، وهم عاجزون إلا عن نشر ما يسمح لهم به وليّ النعم. وأما بيت عبدالرحيم البرعي: "متى يستقيم الظل والعود أعوج؟" فيلخص حالة تتجاوز الإعلام المصري إلى مشهد عمومي أعوج.

لا يكتفي الظل الإعلامي بالاعوجاج، ففي ثبات هذا الاعوجاج صورة صادقة لعود أعوج، ولكن العود يهتز، ويتوالى تأرجحه فتفشل مرآة الإعلام في تثبيت وضع يدل على عقل كبير يدير الأمور، منذ الارتهان بالتوقيت الأميركي الإسرائيلي، قبل أكثر من أربعين عاما، بالتزامن مع رفع شعاريْ "مصر أولا" و"مصر فوق الجميع"، في تقليد باهت يستنسخ النشيد الوطني لألمانيا النازية.

وبعيدا عن المحيط العربي الأفريقي، لا تملك مصر مقومات ووسائل لذلك الخيار، فعلى أي مستوى، لم تصبح أولا ولا فوق الجميع، واكتفت بشعار أقرب إلى جهاز تعويضي لمعاق. وحين استحقت مصر أن تكون أولا عن جدارة، ترفّعت عن المباهاة، إيمانا بمسؤولية أدوار لا تحتمل رفاهية الفخر، ولا تتهافت إلى مستوى المنّ. ولاحقا حصد المصريون الثمار، رغم السياسة الرسمية غير المواتية.

وقد ظلت مصر رسميا تنسب نفسها إلى كيان عمّر ثلاث سنوات، هو الوحدة مع سوريا، وتخلت عن اسمها، ويسهل الاستماع إلى بيان بدأه أنور السادات قائلا "فقدت الجمهورية العربية المتحدة" معلنا وفاة جمال عبدالناصر. وحتى تلك اللحظة، عام 1970، حرصت مصر على الوفاء بدور ثقافي أدت فيه الصحافة مهام لا تقل عن الجهد الدبلوماسي.

وتسجل الدبلوماسية المصرية واقعة فريدة، لا أعلم أن لها شبيها غلبت فيه المشاعر الشخصية لرئيس جمهورية أصول البروتوكول، فاقترنت دموعه بطقوس تسلمه أوراق اعتماد سفير. ولم يكن الدكتور سامي الدروبي مجرد سفير، وربما لا يذكر له الجيل الحالي من القراء هذه الصفة، ويعرفه مثقفا ومترجما قديرا لكلاسيكيات من الأدب العالمي، وأبرزها لدستويفسكي.

وبعد الانفصال عيّن الدروبي سفيرا لسوريا، وبدلا من تقليد يتضمن تقديم أوراقه، وتبادل كلمات مجاملة، ألقى الدروبي بيانا بدأه بإبداء السعادة للوقوف أمام عبدالناصر، "مستشرفا معاني الرجولة والبطولة، فإنه ليحز في نفسي أن تكون وقفتي هذه كوقفة أجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد من أيام الشموخ مواطنا في جمهورية أنت رئيسها… ولكن عزائي عن هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس، والتي كان يمكن أن تشعرني بالخزي حتى الموت، أنك وأنت تطل على التاريخ فترى سيرته رؤية نبي وتصنعه صنع الأبطال، قد ارتضيت لي هذه الوقفة، خطوة نحو لقاء مثمر بين قوى تقدمية ثورية… ذلك عزائي يا سيادة الرئيس، وذلك شفيعي عندك، وشفيعي عند جماهير أمتنا العربية التي لا تعترف بالانفصال إلا جريمة…".

استدعت كلمات السفير تاريخا من الفخر والأمل وانكسار الروح، فبكى عبدالناصر ورئيس الوزراء ووزير الخارجية وأمين الرئاسة. ولا أظن أحدا رأى دموع الرجل في موقف آخر، وتغلّب على دموعه مرحبا بالدروبي، "في الجمهورية العربية المتحدة لا كأجنبي، ولكنني أستقبلكم كابن من أبناء الأمة العربية التي هي أمة واحدة. وإن الأفراد مآلهم إلى الزوال دائما، أما الشعوب فهي الباقية على نضالها لتحقيق أمانيها وأهدافها".

الدروبي الذي يعاد نشر طبعات من أعماله في مصر لا مكان لأمثاله اليوم في المشهد الثقافي والصحافي المصري. ففي هوس وطني يستبدل بشعاريْ السادات "مصر فوق الجميع" و"مصر أولا" شعارا آخر هو "تحيا مصر"، بتكرار يدعو أحيانا إلى السخرية، لن تنشغل صحيفة باستكتاب مثقفين عرب، اللهم إلا نقلا لمقالات منشورة تشيد بالسياسة المصرية، فيضاف المقال المعاد نشره إلى مجرى يفيض بالمصفقين.

تخلو العشرات من المجلات والصحف المصرية من أي حضور عربي، وإذا وجد فهو هامشي، ويخضع لحسابات شخصية أو توازنات سياسية، أو للبرستيج المهني اكتسابا لشيء من الوجاهة

ولا تزال فضائيات عربية تستأنس بمثقفين وإعلاميين مصريين، ولا ترد الفضائيات المصرية الجميل، ولو باستثناء يكسر قاعدة الشوفينية. وتجسدت النتيجة في مستوى وعي رئيس تحرير سابق لصحيفة الأهرام، اقترح عليه محرر إجراء مقابلة مع مرسيل خليفة في إحدى زياراته لمصر، فسأله: من تكون مرسيل هذه؟

تخلو العشرات من المجلات والصحف المصرية من أي حضور عربي، وإذا وجد فهو هامشي، ويخضع لحسابات شخصية أو توازنات سياسية، أو للبرستيج المهني اكتسابا لشيء من الوجاهة. يوجد استثناء مهني وحيد يحمل مفارقة سياسية، فمنذ نهايات 2013 توالى اختفاء مقالات كتاب مصريين من صحيفة "الشروق" الخاصة، وشمل هذا الإقصاء إسلاميين وليبراليين: فهمي هويدي وبلال فضل وعمرو حمزاوي وباسم يوسف وغيرهم، ولكن الصحيفة حريصة، إلى الآن، على وجود يومي لكتاب بارزين من لبنان وسوريا والبحرين وتونس والإمارات وفلسطين غيرها.

أستبعد وجود توجيهات سياسية حمقاء لتغييب الصوت العربي، ويتحمل المسؤولية رؤساء التحرير، وأستشهد بتجربة مدتها ثلاث سنوات (2014 ـ 2017) في رئاسة تحرير مجلة "الهلال"، فقد اتسع العدد الأول لمثقفين من العراق وسوريا وفلسطين واليمن والمغرب والسودان وإيران.

وشهدت الأعداد التالية حضورا لمثقفين عرب، من الفلبين ونيوزلندا وبروناي إلى أميركا، ومن اليمن والسودان إلى سقف العالم حيث السويد والنرويج، انطلاقا من ضرورة أن يستعيد المجلة أهلُها، مصريين وعربا سارعوا إلى مدّ أيديهم بسخاء، وأرسلوا إبداعات ودراسات من دون انتظار مقابل مادي من مجلة تربى عليها وجدانهم.

واستهلت "روايات الهلال" بترجمة لرواية "التلميذ والدرس" غير المشهورة لمالك حداد، وحرصت في سلسلتي "روايات الهلال" و"كتاب الهلال" على نشر ما يحمل المتعة الفنية والقيمة المعرفية، وكان الحصاد وفيرا من المغرب والجزائر وليبيا واليمن والبحرين والعراق وسوريا وفلسطين، وانفرد سلامة كيلة بنشر كتابين هما "زمن الثورة" و"المسألة الفلسطينية: من سراب حل الدولتين إلى الدولة العلمانية الواحدة".

نحن محكومون بنظرة استشراقية مهينة، ومنذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والحماقات تسعى بإلحاح إلى تأكيدها، وتصويرنا كارهين للبشر أعداء للحضارة.

ولم نعد نملك ما نقدمه إلى أنفسنا وإلى العالم إلا الإبداع والأفكار، ورأيت أن تكون الهلال جسرا لهذا التواصل، وأبدى أصدقاء وصديقات كرما كبيرا بإعداد ملفات تمثل أبرز ملامح المشهد الإبداعي في بلادهم: محمد اشويكة عن المشهد القصصي في المغرب، وئام غداس عن المشهد الشعري في تونس، تحسين يقين عن الشعر الفلسطيني تحت الاحتلال (1948)، نوارة لحرش عن المشهد الشعري في الجزائر، رولا حسن عن المشهد الشعري السوري، الدكتورة نادية الكوكباني عن الإبداع القصصي في اليمن، الدكتورة عزيزة الطائي عن المشهد القصصي في سلطنة عمان.

وحظينا من العراق بثلاثة ملفات، أولها بانوراما للإبداع العراقي خارج أرضه، والثاني اختص به ماجد موجد عن شعراء الداخل دون سن الأربعين ممن كتبوا عن الوجع العراقي بعد 2003، والثالث أعده الدكتور سلمان كاصد عن ملامح المشهد العراقي بأجياله المختلفة في الداخل والخارج. وقريبا من العالم العربي ترجم الشاعر موسى بيدج مختارات من الشعر الإيراني الجديد.

وبعيدا عن الإبداع نشرت ملفات عن مستقبل اليسار، وآفاق الثورات العربية. وأعد الشاعر محمود قرني ملفا عنوانه "مستقبل الشعر.. شهادات الأزمة". وأسهمت الكاتبة الفلسطينية بيسان عدوان بملفات أولها عن وعد بلفور "98 عاما من ضرب الجهاز المناعي الفلسطيني"، وشاركها أشرف راضي في إعداد ملف "من نكبة 1948 إلى سراب حل الدولتين".

واختار المخرج باسل رمسيس أن يقدم ملفا عن فيسبوك، العالم الأزرق المرعب، برؤى وأقلام عربية متفاعلة مع العصر، وفاجأني على سبيل الاستطلاع بمقال "أدب الشيك شاك شوك" للروائية الفلسطينية أثير صفا، وسألني: تنفع هذه العينة؟ ولم يكن ينفع سواها.

بقي وعد حالت الأقدار دون تنفيذه، بملف عن الشعر في موريتانيا، وعدني بإعداده شاعر موريتاني قابلته في الأقصر ثم اختفى، كما وعدني أيضا الشاعر الموريتاني محمد ولد عبدي ثم توفي، وسبحان من له الدوام.

10