مرآة الثقافة ومرآة الهوية

السبت 2015/11/07

في سياق سعيّ يتوخَّى تبيُّن مكونات العلاقة المتشعِّبة ما بين الثَّقافة والهوية عبر توضيح العلاقة التفاعلية ما بين الهُوِيَّة كـ”ذات إنسانية” والهوية كـ”ذات ثقافية” لا تنفصم أي ذات منهما عن الأخرى بل تكاد تكون اسما آخر لها، أو تجليا يدلُّ حضوره على وجودها فيه، دعونا نشرعُ في التفكير في هذه العلاقة بوصفها علاقة لا يُمكن أن تتحقَّق إلا في سياق إنسانيّ حضاريّ مفتوح على صيرورة دائمة وتحولات. فلنذهب، في هذا السِّياق، إلى تأمُّل عبارة جاءت محمولة على صوت نطق قصيدة كتبها الشَّاعر محمود درويش، ذات يوم ليس ببعيد، لنتعرف طبيعة العلاقة القائمة ما بين الثقافة الفلسطينية والهوية الفلسطينية، وذلك كنموذج يفتحُ أمامنا آفاق التأمُّل العقلي في ثقافات إنسانية تسهم في صوغ هويات عديدة ومتنوِّعة تُثري الحياة.

تقولُ العبارة بصوتِ قائلها: “كل الشعوب تزوجت أمي وأمي لم تكن إلا لأمي”.

ولعلَّنا نستطيعُ، أولا، أن نكتشفَ، عبر إمعان الإصغاء إلى هذا الصَّوت، نبرةَ الذَّات ونبراتِ الجماعة وقد توحَّدتا في نبرات تُصَيِّرُ صوتَ المفردِ صَوتَ جمع، أو ربما تُصيِّرُ صوت الجمع مُفرَدا لا يني يُلمّحُ إلى صيغة الجمع، وذلك على نحو تتبدَّى معه الذات الإنسانية الفردية وقد التحمت بالذات الإنسانية الجماعية مُجسَّدة في “ذات ثقافية مُشتركة” تتأسَّس على خصائص جوهرية تتحدَّد، جوهريا، عبر اختلاف يُميزها عن ذوات ثقافية أخرى تتميَّز عنها، أو تتعارض معها. هكذا صارت الذات الفلسطينية، في دلالة العبارة التي نحاول قراءة دلالاتها، مرآة للأنا والنَّحن اللذين تبديا بوصفهما مجالا حيويا لحضور تلك الذّات الكلية الجامعة واقفة أمامَ مرآتين متناظرتين تتبادلان الانعكاس: مرآة الثقافة، ومرآة الهوية.

ولعلنا نستطيعُ، ثانيا، أن نقرأ في هذه العبارة، المحمولة على صوت تعرّفنا بعضَ خصائصه، إلماحا إلى وحدة الهوية الفلسطينية، متعدِّدة التجليات، والمستمرة عبر الأزمنة وتتابع التحولات الجارية عبر صيرورة دائمة فتحت، ولا تزالُ تفتحُ، ولن تكفَّ عن أن تفتحُ، هذه الهوية على تعددية المصادر الثَّقافية وتنوُّعها النَّاجم عن الانفتاح على مدارات الحياة والتَّفاعل الثَّر، الاختياري أو الضَّروري، مع تجاربِ الآخرين من أقوام البشر وأجناس النَّاس وثقافاتهم.

ولعلنا نستطيعُ، ثالثا، أن نقرأ في هذه العبارة ما يُشير إلى إيغال الذات الثَّقافية الفلسطينية في قدم مكّنها من الانفتاح على حضارات أمم العالم وشعوبه جميعا، انفتاحا لم يَحُل دونها وتأكيد فرادتها وتميزها عبر الاحتفاظ بمكوناتها ومنطلقاتها وخصائصها التي تُميِّزُ هُوِيَّةَ مُبدعِها (أي الإنسان الفلسطينيِّ) عبر تجسُّدها، باستمرار، في المنجزات الثقافية التي حفل بها التاريخ الفلسطيني المتَّصل، عمقيا وأفقيا، بتاريخ بلاد الشَّام وبلاد العرب وغيرها من البلاد، ذاك الممتد منذ كانت في الحياة أمّ وكان فيها أب، والذي سيواصل الامتداد طالما ظلَّ في الوجود إنسان فلسطينيّ قادر على التقاط رسائل الوجود وبثِّها في الإنسانية محمولة على صوت يقول: ” كل الشعوب تزوجت أمي وأمي لم تكن إلا لأمي”.

وفي ضوء ما حقَّقه الحضورُ النَّصي لناطق هذه العبارة من إمكانية مجرَّدة أو فعلية لتحقيق “وجود دائم في الوجود”، ربما نستطيع أن نخلص إلى أنَّ لمحمولات العبارة التي ينطقها هذا الصَّوت أن تصدق على الماضي، سواء أكان موغلا في القدم أم قريبا، بقدر ما لها أن تصدُق على حاضر يؤهلها لأن تكون قابلة للانفتاح على مستقبل مفتوح تصدُق فيه، فتكون هي المحور الثَّابت الذي تتحرَّك عليه تحولاتُ هُويَّةِ محمولة على صيرورة الزَّمان.

وربما يكون لقراءة علاقات هذه العبارة بالسياق النَّصي الذي وردت فيه، وباللحظة الزَّمنية التي تحقَّق فيها للشَّاعر أن يستلَّها من نسيج شبكة الوجود، أن تمكَّننا من إدراك الدَّوافع الواقعية التي حفَّزت مخيلته وأثارت وجدانه كي ينهض ساعيا وراء اقتناصها، وبثّ شبكة دلالاتها. وهل ثمة من دوافع يُمكن تصورها لذلك سوى الدوافع الكامنة في تعرُّض الذات الكلية الجامعة الواقفة أمام مرآتين متناظرتين، لتهديد جسيم شرعَ في تعريض المرآتين للانكسار والتشظّي، بحيث لا تعود هذه الذّات قادرة على رؤية نفسها في مراياها. وهل ثمة ما هو أخطر وأفدح من تعرُّض فلسطين: إنسانا وشعبا ووطنا وثقافة وهوية، للغزو الصهيوني الذي اندلع جحيمه منذ مطالع القرن المَاضي؟

وهل ثمَّة ما هو أخطرُ وأفدحُ من هذا الذي يجري الآن في سوريا الغالية، وفي غيرها من بلاد العرب، من استبداد وإرهاب وغزو خارجي لا ينتج عنها جميعا إلا الخراب والدمار والترويع والقتل والاقتلاع والتهجير، ولن يُسفر تحالفها التَّوحُّشي الشَّرس، إن لم يُواجه بحسم ثقافيّ إنسانيّ عاجل وقاطع، إلا عن نكبات متوالية: عن فلسطين ثانية، وثالثة، ورابعة، وذلك على نحو لا يأخذُ الإنسانية بأسرها إلى شيء سوى نقيضها: إلى التَّوحُّش الضَّاري وأزمنة الغاب.

ناقد أدبي وكاتب من فلسطين

16