مرآتنا صديق مخادع تضحك فتبكينا

الأربعاء 2014/03/05
المبالغة في الاهتمام بالمظهر تؤثر في صحة الفرد النفسية

عندما تحدث شارلي شابلن عن مرآته وصفها بأنها “خير صديق لي، فهي لا تضحك عندما أبكي”. لم يكن يعني طبعا المرآة التي كانت تطارده في غرف المنزل، لتعكس صورته التي لم يكن يشغله النظر فيها، بل مرآة نفسه التي لا تظهر الحقيقة وهي – بالطبع – لا شأن لها بطلعته التي لم تكن بهية أغلب الظن.

المثل غير الشائع يقول: “عيون الأصدقاء تغنينا عن المرآة”، ولهذا فإن صاحب الحظ الوفير قد يجد في صديق مخلص مرآة ناصعة تعكس صورة ذاته كما هي من دون تزويق أو تجميل. ومرة أخرى، يشير المثل إلى صورة الذات لا الملامح.

قصة الملكة الشريرة التي لا ترى غير صورة جمالها في المرآة وتكره الأميرة بسبب جمالها الذي لا يضاهيه جمال، عاشت في وجدان الناس ردحا طويلا من الزمن على الرغم من كونها حكاية خيالية.

حتى أن دمية هذه الأميرة الناعمة نافست مثيلاتها الأميرات الراعيات الرسميات للحكايات الخيالية، بسبب تفضيل الفتيات الصغيرات لها واعتبارها منافسا لا يقهر، مقارنة مع صورتهن الباهتة التي تنعكس في المرآة.

الاهتمام بالمظهر سلوك إنساني لا غبار عليه، تتفوق فيه المرأة على الرجل بحكم تكوينها النفسي، إلا أن المبالغة في هذا الاهتمام قد تأتي بنتائج عكسية من شأنها أن تؤثر في صحة الفرد النفسية، حيث يتحول الأمر إلى هاجس ثم هوس يدفع صاحبه إلى بذل جهود جبارة، على حساب وقته وماله لبلوغ مرحلة الكمال فيما يتعلق بالرضا عن صورة الذات في مخيلته الطموحة، وهذه قد تختلف عن الصورة الحقيقية التي تعكسها المرآة.

أما الآثار السلبية التي تنتج عن الإخفاق في تحقيق هذا – المستحيل – فقد تتراوح بين القلق والاكتئاب والأمراض المتعلقة باضطرابات الطعام. كشفت دراسة حديثة، بأن المرأة تقضي ما معدله 55 دقيقة في اليوم وهي تتطلع إلى مظهرها في المرآة، أي ما يعادل أسبوعين كاملين كل عام.

وهي تقلق حيال مظهرها بنسبة 67 بالمئة على الأقل أسبوعيا مقارنة بمعدل قلقها خلال الأسبوع ذاته فيما يتعلق بالشؤون المالية بنسبة 62 بالمئة، فيما يتراجع قلقها حول صحتها بصورة عامة إلى 49 بالمئة أسبوعيا، تليها العلاقات الأسرية بنسبة 46 بالمئة والنجاح المهني بنسبة 40 بالمئة.

عبرت 78 بالمئة من المراهقات بأنهن يحملن مشاعر ذاتية سلبية فيما يتعلق بمظهرهن على الأقل مرة واحدة أسبوعيا

وكشف الاستطلاع، الذي نظمه البرنامج التلفزيوني الأميركي “تودي شو” بالتعاون مع موقع “أميركا أون لاين”، عن أن الرجال لا يضيعون سوى نصف هذا الوقت للاهتمام بمظهرهم أمام المرآة؛ حيث يقضي الرجل حوالي 4 ساعات ونصف أمام المرآة أسبوعيا في حين يتضاعف هذا الرقم عند المرأة إلى حوالي 6 ساعات وأربعين دقيقة، وفيما يتعلق بالمراهقين المشاركين في الاستطلاع، فقد أظهرت النتائج أنهم في العموم الفئة التي سجلت الرقم الأكبر؛ حيث يضيع هؤلاء حوالي 7 ساعات و7 دقائق أسبوعيا أمام المرآة للحصول على مظهر مقبول.

الاستطلاع الذي شارك فيه 2000 رجل وامرأة إضافة إلى 200 مراهق، كشف أن 60 بالمئة من السيدات لديهن مشاعر سلبية حيال مظهرهن، وهن يعبرن عن هذه المشاعر مرة واحدة على الأقل في الأسبوع مقابل 36 بالمئة من مجموع الرجال.

في حين أن معدل نقد الذات يرتفع بصورة أوضح بين الفتيات في سن المراهقة، حيث عبّرت 78 بالمئة من المراهقات أنهن يحملن مشاعر ذاتية سلبية فيما يتعلق بمظهرهن مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، وتراوحت أعمار الفتيات في هذه الفئة العمرية التي رصدها الاستطلاع بين 16- 18 عاماً.

واعترفت 77 بالمئة من السيدات، بأنهن أفصحن عن شعورهن السلبي تجاه مظهرهن لشخص واحد على الأقل خلال شهر واحد، فيما وصلت النسبة في عينة المراهقين إلى 80 بالمئة.

كما أن نسبة كبيرة من السيدات المشاركات وصلت إلى حوالي 69 بالمئة، عبّرن عن قلقهن فيما يتعلق بمظهر البطن، كما ذكرت 40 بالمئة منهن أن مظهر البشرة يشكل هاجسهن الأكبر فيما كان مظهر الشعر مركز قلق 32 بالمئة فقط من السيدات، إضافة إلى اهتمامات أخرى شكلت نسباً بسيطة في قائمة الاستطلاع مثل؛ مظهر الأطراف والأرداف.

على النقيض من ذلك، كشف الاستطلاع أن 52 بالمئة من الرجال يقلقهم مظهر البطن كما عبّر 24 بالمئة منهم عن اهتمامهم المفرط بمظهر الشعر وخاصة الذين يعانون من بدايات الصلع، في حين يهتم 23 بالمئة بمظهر بشرتهم.

الأمهات يمتلكن مشاعر سلبية عن مظهرهن بنسبة 73 بالمئة مقابل 65 بالمئة من السيدات من دون أطفال

من ناحية أخرى، أوضحت الدراسة أن الأمهات يمتلكن مشاعر سلبية عن مظهرهن بنسبة 73 بالمئة مقابل 65 بالمئة من السيدات من دون أطفال. في حين اعترفت 80 بالمئة من المراهقات، بأنهن يجرين مقارنات دائمة بين صورهن المعكوسة في المرآة وصور المشاهير، الأمر الذي نتج عنه شعور بعدم الرضا عن النفس لأكثر من نصف المشاركات.

وتقول آن كيرني- كوك؛ مديرة معهد سينسيناتي للعلاج النفسي والتي شاركت في الاستطلاع، أن الأمر يزداد سوءاً حين نجد صور المشاهير في كل مكان، في وسائل الإعلام والشارع وعلى واجهات مواصلات النقل العام، مع العلم أن صفات هؤلاء النجوم الجسدية ليست مثالية كما قد يتصور البعض. وتضيف: “نحن بالتأكيد أسوأ النقاد لذواتنا”.

من جانبه، يرى جوناثان رودكير، وهو اختصاصي في علم النفس السريري في ناشفيل، أن مظهرنا الجسدي هو جزء مهم من ذواتنا. مع ذلك، ينبغي علينا عدم المبالغة في الاهتمام به إذ أنه لا يمثل إلا جانبا واحدا فقط من تكويننا. الخطأ الشائع في مجتمعاتنا الحديثة، هو الاهتمام بالقشرة الخارجية وإهمال الجوهر وهو الأهم.

21