مراجعات أم إعادة نظر في الأولويات

الاثنين 2015/04/20

نسمع أحيانا عن “مراجعات فكرية” لبعض أقطاب الفكر الجهادي التكفيري. قد تأتي تلك المراجعات استجابة لتدابير تتخذها الدولة أحيانا، من قبيل قانون “الوئام المدني” بالجزائر، أو “جلسات المناصحة” في المملكة السعودية أو نحو ذلك، وقد تأتي كمبادرات ذاتية كما جرى في مصر أوائل التسعينات. ما حقيقة تلك المراجعات؟ هل يمكنها أن تسفر عن إصلاح في الخطاب الديني؟

“المراجعات الفكرية”، شعار تبلور بادئ الأمر في مصر التي شكلت مركز الثقل المرجعي للفكر الجهادي التكفيري. لا ننسى أن أيمن الظواهري طبيب مصري وعضو سابق في حركة الإخوان المسلمين، وأن أسامة بن لادن انضمّ إلى جماعة الإخوان قبل أن يلتحق بالسلفية الجهادية، وعبدالسلام فرج صاحب “الفريضة الغائبة” مصري هو من أبرز زعامات الجماعة الإسلامية، وفي مصر نفذ الجهاديون أول محاولة انقلابية على رأس الدّولة، انتهت باغتيال أنور السادات. لكن في عام 1995 تلقى تنظيم طلائع الفتح بقيادة أيمن الظواهري ضربة قاضية على يد الأجهزة الأمنية المصرية، فطُويت بذلك أكبر مغامرة لسيطرة الجهاديين على الدولة المصرية قبل ما يسمى بالربيع العربي. بعد الفشل أصدر الظواهري كتابه “فرسان تحت راية النبي” حاول من خلاله الإجابة عن سبب فشل الثورة الجهادية في مصر، مركزا على الظروف الطبيعية والجغرافية غير المواتية لخوض حرب العصابات في مصر. وهي الظروف التي ظنت الحركات الجهادية الجزائرية أثناء عشرية الإرهاب بأنها مواتية لها بالنظر إلى الطبيعة الجبلية لضواحي المدن الجزائرية.

عقب فشل طلائع الفتح انطلقت بعض المراجعات الفكرية وتوجت عام 1998 بصدور مبادرة وقف العنف، وتلتها عديد الكتب فيما سمي بترشيد العمل الجهادي. ثم كانت هناك مراجعات داخل الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة عقب فشلها في السيطرة على السلطة وتعرّضها لقمع شرس. وبعد 11 سبتمبر كانت هناك مراجعات أخرى في الأردن والمغرب والسعودية. وكل هذا نعتبره محمودا وإن كان محدودا، لكن أمامنا خمس ملاحظات:

أولا المراجعات كانت دائما في الإطار الفردي أو في إطار مجموعات ضيقة، ولا أثر لها على الخط الجهادي العالمي ممثلا في ثلاث تيارات كبرى تستقطب آلاف المجندين؛ القاعدة، الدولة الإسلامية، وحزب التحرير.

ثانياً، تلك المراجعات تتعلق بالمواقف السياسية لكن يعوزها التأصيل الديني، أي تعوزها الرؤية الإصلاحية من داخل الخطاب الديني؛ فهي لا تقترح مفاهيم جديدة للخطاب الديني، ولا تقترح رؤية جديدة للنص القرآني أو الحديثي، ولا تعير اهتماما للتراث الفلسفي الإسلامي أو الغربي. تسمي نفسها مراجعات فكرية لكنها تبقى مراجعات بلا فكر.

ثالثاً، تلك المراجعات تقتصر في الغالب على الموقف من الحاكم، وتستثني كل المواقف الأخرى، من قبيل الموقف من المرأة والأقليات والحريات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والقانون المدني كتعاقد اجتماعي. وليس يخفى أن الموقف من الحاكم لا يعدّ ثابتا فقهيا بالنسبة للعقل السلفي؛ لأن الموقف قد يتغير بين عشية وضحاها، فالأمر مرتبط بتقدير موازين القوى، أما “الثوابت” السلفية فتتعلق بأولوية الرجل على المرأة، وأولوية النقل على العقل، وأولوية الشريعة على القانون المدني.

رابعاً، لا نسمع بالمراجعات الفكرية إلا داخل المجتمعات حيث الدولة قوية وشروط التمكين غير متوفرة، أما في الدول الواهنة مثل العراق وأفغانستان والصومال وليبيا اليوم، حيث تتغول التنظيمات الجهادية بكل أطيافها، فلا نسمع إطلاقا عن أي مراجعات.

خامساً، معظم المراجعات التي بقي أصحابها ضمن الخط السلفي لم تصمد طويلا، إذ سرعان ما تم التراجع عنها ومثلا، فإن عبدالله العسيري الذي حاول اغتيال الأمير محمد بن نايف عام 2009، تبين أنه من المستفيدين من برنامج المناصحة، وقد أجرى المراجعة وأعلن التوبة. وكل هذا يثير الشكّ حول ما إذا كان الأمر يتعلق بمراجعات فكرية وفقهية، أم مجرّد إعادة نظر في الأولويات

كاتب مغربي

9