مراجعات الإخوان لا تتجاوز ذر الرماد في العيون

السبت 2015/04/18
تجذر العنف في عقلية الإخوان يحول دون تحولهم إلى أحزاب سياسة مدنية

واشنطن- أضحى من الجلي أنّ ما يدور عن المراجعات الداخلية التي تقوم بها جماعة الإخوان المسلمين، لا يعدّ سوى ذرّ للرماد على الأعين، ومحاولة من الجماعة للالتفاف على أزمتها الراهنة التي تسببت فيها سياساتها الإقصائية المعادية لإرادة الشعوب. مراجعة تكشف الآليات القديمة والمناهج الماضوية الانتهازية التي مازالت تعتمدها الجماعة، أنها لا ترقى إلى مصاف النقد الذاتي الحقيقي، بل هي بالأساس خطوة نحو سبيل إعادة الأخطاء السابقة.

تدور الحجج التي تدافع عن إدماج جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية، خاصة لدى الدوائر الأميركية، في فلك واحد أساسه أنّهم ملتزمون بأسس ممارسة الديمقراطية، وأنهم أول من يخطر بالبال عند الحديث عن الحركات الإسلامية المعتدلة القادرة على استيعاب واحتواء موجة المنظمات الجهادية. كما عمد الإخوان بدورهم إلى تقديم أنفسهم على أنّهم أحد “الطرق الإبداعية” لتعزيز المناعة الإقليمية في مواجهة الإرهاب.

وعلى الرغم من رواج هذه المزاعم، تفيد دراسة صادرة عن مجموعة الشرق الأوسط الاستشارية، بأنه يظل هناك اختلاف كبير بخصوص الأطروحات السابقة طالما أنّ الجماعة لا تقبل بإدخال تغييرات عميقة وجذرية على توقّعاتها لمستقبلها ومستقبل المجتمعات التي تنشط صلبها.

وقد كشفت السنوات الأخيرة التي تمكنت فيها أفرع التنظيم من الوصول إلى السلطة في عدد من البلدان التي شهدت احتجاجات شعبية في إطار ما سمي بـ”الربيع العربي” شأن مصر وتونس وليبيا، أنّ الجماعة لم تبدّل يوما من آليات عملها، ولم تغير من نظرتها للعمل السياسي عموما، الذي لا يعدّ في منظورها سوى وسيلة لأخونة المجتمعات وفرض تقيتها عليها، لا أكثر ولا أقل.

الجماعة لا تقبل بإدخال تغييرات عميقة وجذرية على توقعاتها لمستقبلها ومستقبل المجتمعات التي تنشط صلبها

وقد تسبب ضيق رؤية الجماعة التي لا تؤمن بغير أفكارها ولا تقبل بغير طرائقها في تسيير شؤون البلدان والعباد، وفق الدراسة، في كشف مخططاتها بصفة مبكرة في البلدان التي وصلت فيها إلى الحكم، مما دفع الشعوب إلى لفظها وإبعادها عن الحكم عبر ثورات ثانية استهدفتها رأسا، أو عبر صناديق الاقتراع في أول الفرص الانتخابية التي أتيحت لها. فشل أسهم بدوره في تعرية تناقضات حادة تشق “وحدة” الإخوان التي لطالما روجوها عن أنفسهم، ممّا خلق أزمة حادة داخل الجماعة ذاتها.

بوادر الأزمة

لا شك أنّ الأزمة السياسية التي أدّت إلى الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي في مصر، عبر ثورة شعبية استهدفت حكم الإخوان عموما، قد كشفت عن تناقضات تشقّ هيكل الجماعة.

وقد سرّعت الحملة الأمنية التي طالت عناصر وقيادات التنظيم، على خلفية ممارستهم للعنف من أجل فرض خياراتهم التي أثبتت قصورها على إرادة غالبية المصريين، وكذلك الحظر القانوني الذي صدر ضدهم، بالإضافة إلى الرفض الشعبي والعزلة التي تعانيها الجماعة من قبل الشعب المصري، في ظهور بوادر أزمة داخلية عميقة لا مفرّ منها تهدد بنسف التنظيم.

وقد تمحورت النقطة المركزية في النقاش الدائر داخل أروقة الجماعة حول محاولة إيجاد تفسير للكيفية التي تمّ بها إنهاء حكمها لمصر في منتصف عام 2013، بعد عام فقط، ولهذا الرصيد الضخم من الرفض الموجه ضدهم من قبل مختلف فئات الشعب المصري.

وفي حين ذهب شق من الجماعة إلى تفسير الفشل بالأخطاء التي رتكبتها القيادة، مازال البعض الآخر متعنتا ويصف ما حصل بـ”المؤامرة الكبيرة التي يمكن منع وقوعها”. وقد أدى هذا الجدال مباشرة إلى مناقشة البنية الداخلية للجماعة، وأصبح بمثابة صراع أجيال بين من يلقي باللوم على القيادة، وبين آخرين يحاولون صياغة تفسيرات ذاتية للأزمة مازالت تدور في فلك التحليلات الماضوية المبنية وفق نظرية المؤامرة، والتي كان لها دور كبير في وصول الجماعة إلى الوضع الذي آلت إليه.

صراع بين التسيس والتدين

ضيق رؤية الجماعة التي لا تؤمن بغير أفكارها دفع الشعوب إلى لفظها

يُعتبر فهم أزمة جماعة الإخوان المسلمين، وفق دراسة مجموعة الشرق الأوسط الاستشارية، في ضوء المعطيات التي تحصر الصراع في دائرة صراع بين الأجيال خطأ جسيما، لكونه يعتبر تفسيرا مضلّلا.

والحقيقة أنّ النقاش كان بين شقّ يدافع عن الطبيعة السياسية للجماعة وعدم العودة إلى الوراء، وآخر ينادي بالعودة إلى اعتماد طرق الدعوة و”أسلمة” (أخونة) المجتمع من خلال العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي المباشر.

وقد حسمت طبيعة المرحلة التي تعيشها الجماعة نتيجة الجدال قبل أن يبلغ نهايته، حيث من الصعب أن ينتصر الداعون للعودة إلى الدعوة، في حين أنّ معظم الأعضاء الجدد للجماعة انضموا إليها في أعقاب الاضطرابات السياسية وأحداث الثورة التي شهدتها البلاد عام 2011. وهو ما يوحي بأنّ مصير أيّ جدال حول دعوات عدم تسييس الجماعة سيبوء بالفشل بسبب التعنت البادي على غالبية عناصرها وإصرارهم على طريق الإسلام السياسي الذي يتخذ من الدين مطية للوصول إلى السلطة والسيطرة عليها.

ويتمثل جوهر الأزمة حسب مزاعم المعسكر المُنادي بالحفاظ على الدور السياسي للجماعة، في الدفاع عن استمرار المواجهة السياسية مع النظام الجديد في القاهرة، وهو الاتجاه الذي يلقى ترحيبا لدى من يسمون بـ”الصقور” في مكتب الإرشاد (القيادة العليا للجماعة) والذين يدعمون خط المواجهة السياسية، وهو ما يكشف عن طبيعة اتخاذ القرار في التنظيم، من فوق إلى أسفل، وينبئ بمواصلة الجماعة انتهاج سياساتها السابقة التي تعتبر العنف ركيزة من بين ركائز عملها في الحقل السياسي، وهو ما يتناقض رأسا مع الأساليب المدنية للممارسة السياسية.

تعويم للنقاش

مازالت الجماعة، إلى حدود الآن، تضيّع أكبر فرصة متاحة أمامها لإصلاح هيكلها الداخلي، ولا تزال أوهام الشقين المختلفين تطغى على القضايا الحقيقية التي كان ينبغي عليها مناقشتها.

ولم يكن من الضروري أن تتركز المناقشات حول الدور السياسي في مقابل الدور الدعوي، وفق دراسة مجموعة الشرق الأوسط الاستشارية، بقدر ما كان ضروريا أن تتمحور حول طبيعة الدور السياسي الذي لعبته الجماعة خلال السنوات الأخيرة، لتحديد الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها، وتكوين رؤية صحيحة عن المشهد الذي أنتجته سياساتها الإقصائية والذي أفضى بها إلى هذا المصير.

وعوضا عن فتح الجماعة لنقاشات داخلية حقيقية حول الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الجميع من القيادات إلى القواعد، منذ اندلعت ثورة 25 يناير 2011، ولحظات الحوار مع النظام السابق، وسلسلة الممارسات الانتهازية التي يعرفها أعضاء الجماعة جيّدا، خاصة أثناء توليهم للحكم، تمّ إفشال أي طريق يؤدي إلى نقاش من خلال تعويمه والانزياح به إلى القضايا السطحية التي تتعلق بالبيروقراطية الداخلية، وهو ما يوحي بأنّ الجماعة ليست بصدد القيام بمراجعة حقيقية بقدر ما هي تستعد لتعيد نفس الأخطاء من جديد.

الطريقة الحالية التي تدار بها الأمور داخل الجماعة يبدو أنها بعيدة كل البعد عن تمكينها من تخطي الأزمة

ولو كان النقاش داخل الجماعة قد تعلق بتتبع تحليل خطوط سيرها المتعرجة خلال العقود الماضية، ربما كانت الأخطاء الحقيقية قد بانت، من ذلك النظرة الشمولية للقيادة حول الجماعة ورسالتها، إلاّ أن الزيغ الحاصل في طبيعة المناقشة قد نتج عنه خلل جسيم في تحديد الغاية من فتح نقاشات من أصله، ما دامت النظرة إلى الأمور مازالت هي ذاتها وكأنّ شيئا لم يكن.

تغييرات سطحية

يبدو جليا من خلال نتائج الانتخابات الداخلية للجماعة التي تم إجراؤها نهاية العام الماضي وأسفرت عن تغييرات هيكلية طفيفة، تمثلت في تحرير الخلايا المحلية من الارتباط الصارم بالأوامر التنفيذية للقيادة، أنّ هنالك إعادة تعريف لدور القيادة الآن في إعطاء الأوامر العامة وترك حرية اختيار أساليب تنفيذ التعليمات للخلايا المحلية.

وعلى الرغم من إعطاء هذا التغيير اسما “رنانا” هو “اللامركزية التنظيمية”، إلاّ أنه في الحقيقة لا يعدّ سوى تغيير لإضفاء جمالية على الجماعة، ولما يقارب العامين انتهجت الجماعة هذه السياسة نظرا لتورط قياداتها في قضايا والحكم عليهم بالسجن وعدم قدرتها على تنفيذ تعليماتهم. كما تمّ إعفاء بعض الشخصيات المثيرة للجدل من مسؤولياتها واستبدالها بوجوه جديدة، ينتمي جميعها إلى خط المواجهة أو ينسبون إلى المتطرفين في القيادة.

وقد تجلى ذلك واضحا في إبعاد محمود حسين الذي كان يقود معظم أنشطة الجماعة من مقره في تركيا، و”انتخاب” أحمد عبدالرحمن بديلا عنه. وسيرأس عبدالرحمن، المعروف بقربه من نائب المرشد العام خيرت الشاطر، مكتب الأزمة الذي تشكل في تركيا ويتكون من 11 عضوا؛ 4 من داخل مصر، وثلاثة أعضاء من المقيمين في قطر، وعضوين مقيمين في تركيا وواحد من كل من السودان وماليزيا، وقد تمّ الإعلان عن تشكيل المكتب في الخامس من أبريل الجاري.

غياب النقد الذاتي

مازالت الجماعة تضيّع أكبر فرصة متاحة أمامها لإصلاح هيكلها الداخلي

وبالنظر إلى الطريقة الحالية التي تدار بها الأمور داخل الجماعة، يمكن القول أنّ الجماعة بعيدة كلّ البعد عن تخطي الأزمة التي أوقعت نفسها فيها بحكم سياساتها الخاطئة. ومن أجل ذلك، يحتاج أعضاء التنظيم إلى النظر إلى كل الممارسات والمواقف والسياسات المطبقة خلال العقود القليلة الماضية من قبل قادتهم بنظرة نقدية تحليلية عميقة للغاية.

لكن من الواضح أن نفس الخط الانتهازي لا يزال هو المسيّر للجماعة، ويتجلى ذلك من خلال التصريحات الأخيرة لجمال حشمت، أحد القادة التاريخيين للجماعة، الذي ألمح من خلالها إلى أن الجماعة هي في الواقع أشبه ما يكون ببندقية للإيجار، قائلا إنّها في الواقع قلقة من تسلّل الشيعة إلى مصر وبناء تجمعاتهم الخاصة (الحسينيات).

ويبدو من خلال هذه التصريحات أن حشمت كان يعلن استعداد جماعته للقيام بدور ضدّ التواجد الإيراني في مصر، الذي يصفه البعض بأنه “غير كبير”، كنوع من إظهار قدرته على خدمة السعوديين من أجل رفع الحظر الذي طال الجماعة بعد أن انكشفت مخططاتها التخريبية التي لا تقل عن خطر الإيرانيين أنفسهم.

ولا شك أن هذا المثال، وفق دراسة مجموعة الشرق الأوسط الاستشارية، يعبّر جيدا على الانتهازية السياسية للقيادة التقليدية للإخوان التي تعدّ عرجاء، واستعدادها لفعل أي شيء تراه يخدم صالح الجماعة الضيق، بانتهاج كل السبل المشروعة واللامشروعة.

6