مراجعات التيارات الجهادية.. تكتيك يراد به باطل

الأربعاء 2013/08/21
اغتيال السادات أشهر «منجزات» الجماعة الإسلامية.

إن مساحة «التصديق الغيبي» للجماعات الجهادية المختلفة، هي التي دفعتهم إلى الدخول في مواجهات متعددة طوال العقود السابقة، غابت عنها مساحة «التفاعل العملي»، مع الواقع السياسي والاجتماعي المحيط، وأدت إلى خسارتها لكل معاركها مع أجهزة الأمن العربية، وفشلت في استيعاب أن اعتداء 11سبتمبر مثلا، لن يؤدي إلى هزيمة الولايات المتحدة، بل إلى توحشها ونجاحها في كسر الصيغة العالمية للتنظيمات الجهادية كما عبرت عن ذلك القاعدة، وأدت في النهاية إلى القضاء على «دولتهم» في أفغانستان وسقوط نظام طالبان واحتلال أفغانستان والعراق.

لعل المعضلة الحقيقية في خطاب جماعات العنف الديني في صورتها المتعولمة، كما عبرت عنها شبكة القاعدة تكمن في هذا الانفصال التام عن الواقع، وبقائها أسيرة مفاهيم فقهية وعقائدية نصية جعلتها لا ترى البيئة السياسية المحيطة ولا التوازنات الدولية، واعتبرت أن جوانبها العقائدية والإيمانية هي فقط الركن الأساسي في تحديد خياراتها «السياسية».

جاء خروج هذه العناصر من السجون ليفرض تحديات جديدة على الواقع السياسي المصري أولها وضعته الدولة، بأنها أعادت الجهاديين إلى الحياة بالإفراج عنهم من السجون، ولكن ليس إلى الحياة العامة بالسماح لهم بالمشاركة في المجال العام وفي العملية السياسية الراكدة آنذاك. أما الثاني فهو داخلي يتعلق بالخبرة الجهادية نفسها والتي قامت أساسا على بناء تنظيمات عقائدية مغلقة لم تؤمن بالعمل السياسي.

وبالتالي فإن تراثها السابق لم يؤهلها لبناء حركة سياسية سلمية، ولا المساهمة في عملية التحول الديمقراطي، لأنه سيحتاج إلى إعادة تأسيس للخبرة الجهادية بالمعنيين الفقهي والسياسي، يتجاوز التأسيس للعنف إلى البحث عن التأسيس لوقفه، لصالح اكتشاف خيار سلمي وسياسي آخر يدفع نحو الانخراط في العملية السياسية.

من المؤكد أن جانبا كبيرا من القضايا التي جرى مناقشتها في كتب المراجعات، ترد على وقائع وممارسات جرت في عصر سابق، وسياق سياسي مختلف عن الذي نعيشه الآن بعد التغيرات الكبرى التي شهدها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور تحديات إيديولوجية وسياسية جديدة مختلفة عن تلك التي عرفتها الجماعات الجهادية في السبعينات والثمانينات.

إنهاء العنف من منظور «شرعي»


في مطلع 2002 أصدر قادة الجماعة الإسلامية أربع كتب حملت عنوانا مشتركا، «سلسلة تصحيح المفاهيم»، وأحدثت تحولاً فكريا وعقائديا حقيقياً وعميقا، وأن هذا التحول يحظى بقدر كبير من اهتمام الدولة التي سمحت بخروج الكتب من السجن ونشرها، فإن ثمة ملاحظات أولية ينبغي التوقف عندها قبل التعرض لمحتوياتها. وأول ما لفت الأنظار ووفقا لما أشار له الكاتب ممدوح الشيخ، يتعلق بغلاف الكتاب الأول (الأكثر أهمية)، فعلى الغلاف الأمامي للكتاب يأتي اسمه «مبادرة وقف العنف… رؤية واقعية ونظرة شرعية» بينما الغلاف الخلفي يضم كلمة عامة عن السلسلة وفيها يأتي اسم الكتاب مختلفاً «مبادرة إنهاء العنف… رؤية شرعية ونظرة واقعية».

في استعراض لأهم المنعطفات التي مرت بها المبادرة يأتي في الكتاب أنها منذ إعلانها عام 1997، لم تتجاوب معها الأجهزة الرسمية بأي قدر بينما أيدها عمر عبدالرحمن، وفي غمرة المساعي السلمية جاءت حادثة الأقصر التي يصفها مؤلفا الكتاب بما نصه «كانت صدمة لنا جميعاً… إذ كان الحادث بما فيه اعتداء على النساء والأطفال والتمثيل بهم غريب على منهجنا وتفكيرنا». وفي مارس 1999 اكتسبت المبادرة دفعة قوية عندما أصدرت مجموعة كبيرة من قيادات الجماعة الإسلامية بالخارج بياناً أكد تأييدهم إياها ودعوتهم لوقف كل البيانات التي تحرّض على العنف.

ناقش الكتاب فقه العنف مناقشة مستفيضة ارتكزت على الموازنة بين جلب المصالح ودرء المفاسد. وأقر بأهمية الواقع عند إصدار الأحكام والفتاوى، إذ كان فقه الجماعة يتسم دائماً بالتمحور حول النص دون اعتبار لجدل الواقع مع النص، وهو مفاجئ إذ يصدر عن حركة عاشت دائماً مهتمة فقط بالنصوص.

من وجوب القتال إلى موانعه


وينتقل مؤلفا الكتاب الأول «مبادرة وقف العنف… رؤية واقعية ونظرة شرعية» (أسامة إبراهيم حافظ وعاصم عبدالماجد محمد) إلى مناقشة «موانع القتال» وهو موضوع تناولاه بشكل مفصل بعد أن عاشت الجماعة لسنوات تربي كوادرها على «وجوب القتال» والمسافة بين الموانع والموجبات تعكس طبيعة التحول. وأول الموانع أن الجهاد لم يشرع لذاته بل هو مشروع لتحقيق مصالح مشروعة، وطالما غلب على الظن أنه لن يحقق المصلحة التي شرع لأجلها فهو ممنوع. وثانيها، إذا تعارض الجهاد مع هداية الخالق، أما ثالث الموانع، العجز وعدم القدرة، والرابع ألا يحقق شيئاً غير إهلاك الطائفة الداعية لدين اللَّه. وناقش الكتاب الموقف من أهل الكتاب «النصارى» وأكد حرمة دماءهم لأنهم في عقد ذمة وقطع بحرمة أن يقوم شخص أو جماعة بفرض الجزية عليهم لأنها تدفع مقابل الحماية ولا تقدر على توفير الحماية سوى الدولة.

التكفير كرد فعل

أما الكتاب الثاني:»حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» (ناجح ابراهـــــيم عبدالله وعلي محمد علي الشريف) فيناقش ظاهرة الغلو في التكفير بوصفها جذراً من جذور شجرة العنف السياسي، وقد حل الغلو مكان فكرة غربة الإسلام كحجر زاوية لبناء رؤيتهم للمجتمع المحيط. غير أن الانتقال من مناقشة الغلو والتكفير لمناقشة فكر استحلال الدماء والأموال يعتري سياقه اضطراب، فبينما الجماعة الإسلامية التي افترقت عن تنظيم الجهاد في قولها «العذر بالجهل» مارست العنف السياسي أكثر من أي تنظيم أصولي آخر. كما أن الكتاب يرجع ظاهرة التكفير في المقام الأول لكونها رد فعل على التعذيب الشديد الذي شهدته معتقلات التجربة الناصرية، وهو توصيف يفتقر للدقة، فالظاهرة بعد ذلك انفصلت عن سبب نشأتها واكتسبت قوة دفع ذاتية وبدأت تظهر أدبيات تؤصلها.

ومثل سابقه لا يخلو هذا الكتاب من المفاجآت، فهو يعتمد بشكل رئيسي على كتاب ليوسف القرضاوي «الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف» والذي طالما اتخذت جماعات العنف منه موقفاً سلبياً وفضلت أن تجتهد لنفسها فكراً وفقهاً. وعندما يرصد الكتاب أسباب الغلو ومظاهره تجد في فكرهم للمرة الأولى صدى لما كان يوجه لهم من اتهامات طوال سنوات ضعف البصيرة بحقيقة الدين الاشتغال بالمعارك الجانبية، الإسراف في التحريم وعدم التلقي عن العلماء.


التخلي عن التفسير التآمري


جاء الكتاب الثالث: «تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء»، ليعتبر أن العنف ضد النظام الحاكم كان سبباً من أسباب ظهور جبهة عالمية معادية للإسلام، وهو تخل واضح عن التفسير التآمري الذي كان يرى عداء الغرب موقفاً مبدئياً تآمرياً لا يتأثر بسلوك المسلمين أحسنوا أو أساءوا. ويشير قادة الجماعة كذلك إلى أن البعض تلاعب خلال السنوات الماضية بشعار محاربة الإرهاب واستغله لشن حرب إعلامية على كل مظاهر التدين وكل مؤسسات الدعوة الرسمية منها وغير الرسمية. ومن هنا فإن «القتال إذا لم يحقق مصلحة ولم يأت بثمرة، ولم يكن له نتيجة سوى سفك الدماء وإراقتها، فهو ممنوع شرعاً… حتى وإن كان في طرفيه طرف محق وطرف مخطئ». ويتوجه قادة الجماعة الإسلامية لأعضائها مؤكدين أن تغيير الفتوى جائز كتمهيد لإعلان موقفهم الجديد، وتحت عنوان «حرمة إلقاء النفس في التهلكة» تراجع الجماعة فكرة من أهم ما أمد ظاهرة العنف من روافد دفعتهم إلى معارك غير متكافئة وأحيانا متهورة مع النظام القائم، واعتبر أنه ليس لآحاد الناس أن يثوروا على الإمام الظالم.

* خلاصة من بحث عمرو الشوبكي «مراجعات الجماعة الإسلامية والجهاد.. نهاية عصر التنظيمات الكبرى»، ضمن الكتاب 36 (ديسمبر 2009) «مراجعات الإسلاميين الجزء الأول» الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13