مراجعات السلفيين، بأي معنى؟

الاثنين 2017/02/13

بين الفينة والأخرى، في هذا البلد الإسلامي أو ذاك، يطفو إلى السطح نقاش حول ممكنات الرهان على ما يسمى بـ“المراجعات الفكرية”، بل لعل الأمر متعلق برهان تدبره السلطات داخل دوائر مغلقة أكثر ممّا هو متعلق بنقاش عمومي ينمّي الوعي المدني والذكاء التواصلي لدى عموم المواطنين. في كل الأحوال، لا شيء يناقش عندنا، تقريبا لا شيء يناقش. ليس ذلك بسبب طبيعة السلطة فحسب، وإنما أيضا بسبب غلبة الانفعالات السلبية على الناس أثناء محاولة فتح الباب أمام أي نقاش عمومي، ولا سيما حين يكون النقاش متمحورا حول مسائل تتعلق بالحريات. كما لو أن قدرنا أن ندور في حلقة مفرغة: نحتاج إلى تعميم النقاش، لكننا لا نناقش إلّا لكي نطالب بمنع النقاش.

بالعودة إلى موضوع المراجعات الفكرية، غالبا ما يُستعمل هذا المفهوم للدلالة على الجهد الفكري الذي يُنتظر من بعض المتطرفين الدينيين قصد مراجعة اختياراتهم الفقهية والأيديولوجية المتشددة. تحديدا، غالبا ما يتعلق الأمر بأشخاص قابعين في السجون مثلما جرى في المغرب تحت غطاء إصلاح الشأن الديني، أو مثلما جرى في السعودية تحت غطاء “برامج المناصحة”؛ أو قد يتعلق الأمر بإسلاميين مسلحين داخل معاقل جهادية مثلما جرى في الجزائر تحت غطاء “قانون الرحمة”. ولا يطرح مثل هذا الرهان في الغالب إلا أملا في نزع فتيل الفتنة، وتحقيق قدر من المصالحة مع الدولة والمجتمع. السؤال الآن بكل وضوح، إلى أي حدّ يمكننا الرهان على المراجعات الفكرية داخل سياق ثقافي وحضاري يغلق منافذ الفكر والتفكير؟

لا يخفى أن مفهوم المراجعات الفكرية قد تبلور داخل مجال الإسلام السياسي المتطرف في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بدءا من أرض الكنانة التي شكلت مركز ثقل الفكر الجهادي التكفيري. علينا ألا ننسى بأن أيمن الظواهري كان طبيبا مصريا وعضوا في جماعة الإخوان المسلمين، وأن أسامة بن لادن نفسه، وإن لم يكن مصريا، إلا أنه درس الهندسة في القاهرة وانضمّ هناك إلى الإخوان المسلمين قبل أن يلتحق بالجهاد العالمي في أفغانستان، وأن عبدالسلام فرج صاحب كتاب “الفريضة الغائبة”، والذي يُعتبر إنجيل المتطرفين، هو مصري كذلك.

عموما، بعد فشل تنظيم طلائع الفتح بقيادة أيمن الظواهري في إشعال الثورة على منوال الثورة الإيرانية التي اعتقد الكثيرون أنها حجرة الدومينو الأولى لثورات شعبية في المنطقة، أصدر أيمن الظواهري كتابه “فرسان تحت راية النبي”، محاولا تبرير فشل “الثورة الإسلامية” في مصر بالظروف الجغرافية الصحراوية غير المواتية لخوض حرب العصابات. وهي الظروف التي ظن أنه وجدها في قندهار، ثم ظنت الحركات الجهادية الجزائرية أنها وجدتها بالنظر إلى الطبيعة الجبلية لضواحي المدن الجزائرية، قبل أن تنتهي مغامرتها إلى كارثة حضارية أشاعت الرعب، وبددت الرقي الحضاري الذي طالما ميّز الإنسان الجزائري قبل حلول ما سمي بالعشرية السوداء.

مباشرة عقب فشل الكثير من المغامرات “الثورية”، في مصر والجزائر وليبيا، صدر ركام من الوثائق التي يدرجها الكثيرون ضمن ما اصطُلح عليه باسم “ترشيد العمل الجهادي”. وبعد حادثة 11 سبتمبر 2001، جرت بعض “المراجعات” في الأردن والمغرب والسعودية. هنا يتعلق الأمر بمراجعات محمودة، لكنها تطرح أمامنا ملاحظة جوهرية:

غالبا ما لا تشمل تلك “المراجعات” النظر إلى الأبعاد الفكرية والفقهية، فتكتفي بالنظر إلى الموقف السياسي حصرا، بل تقتصر على الموقف من الحاكم تحديدا، مستثنية كافة القضايا الكبرى، من قبيل المرأة والأقليات والحريات والمواثيق الدولية والقانون المدني. ولا يخفى أن الموقف السياسي من الحاكم لا يعدّ ضمانة مؤتمنة الجانب طالما أنه مرتبط بتقدير موازين القوى في لحظات سياسية معينة، أما “الثوابت” الراسخة في العقل الديني المتطرف فهي متعلقة بأسبقية النقل على العقل، والسلف على الخلف، والرجل على المرأة، والفقه على القانون. لهذا السبب فإننا لا نسمع بما يسمى بالمراجعات الفكرية إلا حيثما تكون الدّولة قوية وشروط التمكين غير متوفرة، أما في الدول الفاشلة، فلا نسمع عن أي مراجعات تُذكر. بهذا المعنى، يبقى سؤالنا سؤالا مفتوحا: هل يمكننا أن نراهن على المراجعات الفكرية حين يكون النسق العام لا يشجع على الفكر والتفكير؟ هذا ليس مجرّد سؤال، بل إنه السؤال بألف ولام التعريف.

كاتب مغربي

9