مراجعات سلفيي المغرب لأدبياتهم بوابة لتصالح التيار مع الواقع المغربي

التجربة المغربية في التعددية السياسية والمدنية تعد أكثر ثراء من مجرد نزوع الدولة نحو تشجيع العمل السياسي والاجتماعي في البلاد. فمنذ أن شمل العفو الملكي الأخير وجوها سلفية عديدة كانت قد راجعت أفكارها المتشددة، فإن التصريحات المتتالية لهؤلاء السلفيين والمتعلقة بضرورة تكثيف العمل السياسي والاعتراف بالديمقراطية والخضوع للقانون قد أشرت على حالة تغير جذرية داخل هذه التيارات مكنتهم من التصالح مع الواقع المغربي.
الجمعة 2016/01/08
بقي بعض الرايات التي يجب التخلي عنها

الرباط- مكنت السلطات المغربية العديد من الوجوه السلفية الجهادية في المغرب من عفو صادر عن الملك بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء الأخيرة، وقد استغلت هذه المجموعة خروجها من السجن لتعيد اللقاء على أرضية تأسيس تجربة سياسية جديدة، وهي تأسيس تنظيم سموه “التيار السلفي للإصلاح السياسي” وهو جناح دعوي للحركة الديمقراطية الاجتماعية التي سوف تكون تسميتهم السياسية القادمة.

هذا المسار السريع في التحول إلى العمل السياسي بعد سنوات من قضاء عقوبة سجنية نتيجة سلسلة من الأعمال العنفية وتمجيد تنظيم القاعدة، يعود حسب مراقبين إلى جهوزية عالية لأتباع التيار السلفي في المغرب للانخراط في المشهد السياسي بعد القيام بمجموعة من المراجعات الجذرية في أدبياتهم مكنتهم من التطابق مع الدولة المغربية والدخول في سياق الحياة الطبيعية للدولة وقوانينها ونظامها، وهي خطوة تؤكد أن التعايش مع التيارات السلفية أمر ممكن في صورة تحقيق جملة من الشروط.

وتابعت التيارات الإسلامية في المغرب بشكل عام وخاصة التيارات السلفية منها جملة المتغيرات العربية الأخيرة التي أطاحت ببعض الأنظمة السياسية ولا تزال أخرى لم تسقط بعد، وقد اقتنعت هذه التيارات داخل نقاشاتها الداخلية أن الذهاب نحو التصعيد ضد الدولة والسلطة والنظام في بعض الأقطار العربية لا يمكن إلا أن يعود بالوبال عليها وعلى قياداتها وأعضائها، نظرا للتجربة المرة التي تمر بها بعض الدول العربية في الشرق العربي في إنتاج منظومات إرهابية مسلحة فاقت في بشاعتها ووحشيتها كل الصور الإرهابية السابقة في التاريخ الإنساني. ولعل ضرورة إعلان تباين الحركة السلفية المغربية مع حركات متطرفة في الشرق (مثل داعش والقاعدة وتنظيمات أخرى) كان الدافع الأول لإعلان مراجعاتها الفكرية وقناعاتها.

العديد من الآراء أكدت أن إعادة الحركة السلفية إلى العمل السياسي تدل على "حالة نضج" إزاء النظام السياسي

فبعد أن كان عبدالكريم الشاذلي وهو قيادي في التيار السلفي للإصلاح السياسي الذي يؤسس حاليا، أحد أهم رموز تنظيم القاعدة في المغرب، وهو الذي دعا إلى اعتبار مناصرة تنظيم القاعدة وتأييد عمليات 11 سبتمبر في أميركا واجبا شرعيا وأسس خلايا سلفية مسلحة داخل الجيش المغربي، فإنه اليوم يعود إلى واجهة العمل السياسي بعد إصدار عفو في حقه قبل أشهر، معلنا أنه تراجع عن كل أفكاره السابقة التي تدعو إلى العنف والقتل وتكفير المجتمع والدولة وتحريم الديمقراطية والحقوق.

وقد كانت هذه المراجعات بابا واسعا أمامه لممارسة نشاطه الذي يسمح به القانون المغربي، وهي فرصة لاختبار مدى جدية تلك المراجعات. وقد صرح شيخ التيار السلفي في المغرب محمد الفزازي أنه “يجب على السلفيين الآن المشاركة في العملية السياسية بالمغرب، ومزاحمة باقي الفرقاء السياسيين على مصدر القرار، لأن العزوف السياسي في هذه المرحلة يضر أكثر مما يفيد”، داعيا التيار السلفي إلى معالجة الأمور بمنطق الموازنة بين المصالح والمفاسد، معبرا عن أمله في أن يكون لمراجعاته الفكرية والسياسية تأثير على شريحة واسعة منهم. ويذكر أن محمد الفزازي كان قد تمتع بعفو ملكي بعد أن أعلن عن جملة من التغييرات الجذرية في قناعاته ومنطق تفكيره.

وقد أكدت العديد من الآراء أن إعادة الحركة السلفية إلى العمل السياسي بهذه الطريقة تدل على “حالة نضج” انتابت هذه التيارات إزاء النظام السياسي والقانوني للدولة المغربية، وقناعتهم بأن منهج الحكم في المغرب يعد من المناهج التي يعتد بها عربيا ودوليا، بالنظر إلى التجربة المغربية البارزة في مقاومة الإرهاب ومنع التطرف وتكوين الأئمة في هذا السياق، وأيضا واقع الحريات السياسية التعددية الذي تتميز به المملكة المغربية، وقد أكد رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمدينة وجدة شرقي المغرب سمير بودينار أن السلفيين اليوم يقدمون على بداية جديدة في مسار مشاركتهم السياسية، فبعد أن كانت سلبية هاهي الآن تخطو خطواتها الأولى نحو الفعالية الإيجابية.

13