مراجيح العيد

السبت 2017/09/09

لم يكن لصاحبي الودود مثقال ذنب في الذي حدث الآن. كان شريط السيارة الفخمة يغني فيروزيات عتيقة، وكنت مستمتعا براجعين يا هوى وسألتك حبيبي ولا أنت حبيبي ولا ربينا سوا وآخر أيام الصيفية وبكتب اسمك يا حبيبي على الحور العتيق، تكتب اسمي يا حبيبي على رمل الطريق.

صديقي كان مهذبا جدا ولم يشعر بالمهانة عندما طلبت منه أن يدع فيروز تغني من دون أن يدندن معها بصوته الذي يشبه كثيرا عطاس خروف بليل ساكت.

تلك كانت بداية ضرورية لسرد الواقعة التي حدثتكم عنها بمفتتح المكتوب، ففي الزمان الذي وصلت فيه فيروزة البديعة إلى وصلة “أنا عندي حنين ما بعرف لمين” نطّت من جانب الشارع قطة سمينة وانحشرت تحت السيارة، ولم يبق من المشهد السريع سوى صوت رفسة افتراضية لا قيامة بعدها.

شعرت بأسى وضيق لكنّ صاحبي واصل المشوار بمواساتي، وكان حديثه عن قتلى الحروب وإنّ من الحماقة أن نثلم ليلتنا بالنواح على قطة غبية قررت أن تنهي حياتها بهذا العبور الأخرق. سكتت فيروز في ما تبقى من الدرب المؤدي إلى الحانة البعيدة، وتولى صديقي حشو الوقت بنكات وقفشات يابسة، وواصلت سكوتي كما لو أنّ سطح السيارة يحمل تابوتا من خشب رخيص نام فيه جسد أمي العزيزة.

في المكان الجميل الذي أخذ اسم المطعم وحافظ على معنى الحانة، كان على مشهد الحزن أن يتواصل على الرغم من أن الذاكرة تكاد تتطهر من منظر القطة الراحلة ورقصتها الأخيرة تحت السيارة الفخمة. هنا سيتولى فعل الجلد الجمعي اللذيذ مطرب من أهل العراق شكله يذكّرني بمصارع السبعينات المشهور عدنان القيسي، وبمستطاعي الآن أن أكتب لكم نصوص عشر أغنيات أداها بصوت هائل، ليس فيها مثقال شهقة فرح.

موالات جارحة ونواح عشتاري قاتل ومقامات تبدأ بالنوى والصبا وتنتهي بمقام المدمي الذي تكفي عيطته وميانته لتفزيز وتقزيم كتيبة عظيمة من جند يتدربون على أكل الأفاعي والعقارب والصراصير، والركض خلف كلب تعيس جاء به حظه المسخم وزرعه فوق هضيبة صغيرة عند سياج خيام الجند، فصاح بهم كبيرهم الغليظ أن عليكم بهذا الكلب فركض خلفه الحفاة العتاة وبعد جولة نجاة يائسة أوقعوه بدائرتهم فصار ينبح ويظهر أنيابه فيرد عليه الجند بخلطة عشوائية من العواء والضحك والغناء والرقص، وساعة فقد المسكين صوته وبقايا حيله، انقضوا عليه ومزقوه وعادوا بأشلائه إلى كبيرهم الذي رسم ابتسامة رائعة ومنحهم صكّ الشجاعة.

في طريق العودة إلى الدار لم ألتفت صوب اليمين. كنت أخشى قفزة قطة غبية ثانية تقضي على ما بقي من وشل الليلة.

24
مقالات ذات صلة