مراسلون بلا حدود ترثي حرية الصحافة في العالم

العداء الذي يكنه السياسيون للصحافيين في عدد من دول العالم تحول إلى مضايقات وتهديدات بالقتل واعتقالات تعسفية فاقمت مخاطر المهنة.
الجمعة 2019/04/19
صحافيون ضحايا الخطاب السياسي

فاقم خطاب الكراهية والعداء الذي أطلقه العديد من القادة السياسيين في العالم ضد وسائل الإعلام من موجة الاعتداءات والعنف ضد الصحافيين بشكل غير مسبوق وفق تقرير منظمة مراسلون بلا حدود السنوي، وتكمن الخطورة في تراجع الحريات الصحافية في الدول الديمقراطية التي يفترض أن تكون قلاعا لحماية الصحافة لا تهديدها.

باريس- أكدت منظمة “مراسلون بلا حدود” غير الحكومية في تقريرها للعام 2019 أن حرية الصحافة واصلت تراجعها في عدد من الدول، محذرة من أن “الكراهية للصحافيين تحولت إلى عنف”، بسبب العداء الذي يظهره القادة السياسيون حول العالم نحو الصحافيين.

وقالت المنظمة إن 24 بالمئة فقط من 180 بلدا ومنطقة تمت دراستها تبدو في وضع “جيد” أو “أقرب إلى الجيد” لحرية الصحافة، مقابل 26 بالمئة في 2018. وأضافت “مراسلون بلا حدود” في بيان أنه بعدما تزايدت في السنوات الأخيرة “أفضى العداء للصحافيين إن لم تكن الكراهية التي يكنها لهم قادة سياسيون في عدد من دول العالم، في نهاية الأمر إلى تحول ذلك إلى أفعال أكثر خطورة وشيوعا”.

وأشارت المنظمة غير الحكومية إلى “تزايد المخاطر وهذا يسبب مستوى غير مسبوق من الخوف في بعض الأماكن بين الصحافيين”، موضحة أن المضايقات والتهديدات بالقتل والاعتقالات التعسفية تصبح أكثر فأكثر جزءا من “مخاطر المهنة”.

ففي الولايات المتحدة الأميركية أشار التقرير إلى أن ”المناخ العدائي الذي فاق تعليقات الرئيس الأميركي دونالد ترامب” يعني تراجع ترتيب الولايات المتحدة ثلاثة مراكز ليصل إلى رقم 48 في مؤشر المنظمة.

وقالت المنظمة “لم يحدث يوما أن تلقى الصحافيون الأميركيون هذا العدد من التهديدات بالقتل”، كما لم يحدث من قبل أن “طلب من شركات خاصة ضمان أمنهم إلى هذه الدرجة”. وأشارت إلى مقتل خمسة من موظفي صحيفة “كابيتال غازيت” بولاية ميريلاند في إطلاق نار على يد قارئ ساخط العام الماضي.

وحظيت بريطانيا بمرتبة أدنى من غانا وجنوب أفريقيا وجامايكا في جدول جديد لحرية الصحافة بسبب قيود وسائل الإعلام “الثقيلة”. وتحتل المملكة المتحدة المرتبة الـ33 في المؤشر الحديث، أي أعلى سبعة أضعاف من العام الماضي، لكن البلد لا يزال واحدا من أقل الدول مرتبة في أوروبا الغربية، بعد ألمانيا (13)، وإسبانيا (29) وفرنسا (32).

كريستوف ديلوار:  الدفاع عن حرية ومصداقية الخبر يجب أن يصبح رهانا أكبر للمواطنين
كريستوف ديلوار:  الدفاع عن حرية ومصداقية الخبر يجب أن يصبح رهانا أكبر للمواطنين

وقالت المنظمة إن في سوريا ”يعد الإفلات من العقوبة قاعدة” حيث قتل صحافيين عام 2018 على يد أفراد تابعين لهيئة تحرير الشام، التي تسيطر على منطقة إدلب بشمال غرب البلاد. وأوضحت أنه خلال عام 2018، اعترفت حكومة الرئيس السوري بشار الأسد رسميا بمقتل عدة صحافيين أثناء احتجازهم خلال الأعوام الماضية.

وحذر الأمين العام للمنظمة كريستوف ديلوار من أن “عدد الدول-المختبرات لمراقبة الأخبار يزداد”. وأضاف أن “الوضع ملحّ.. نحتاج إلى إنعاش النماذج الديمقراطية، وإلا ستزدهر هذه النماذج المضادة وتتكاثر”.

وعبرت “مراسلون بلا حدود” عن أسفها لأنه في أماكن أخرى، “تضعف مقاومة” تعددية الصحافة “أمام منطق الاحتكار التجاري والمصالح الاقتصادية”، كما في اليابان التي حلت في المرتبة الـ67 وأستراليا في المرتبة الـ21، في تراجع مرتبتين. وفي أوروبا سجل الوضع تراجعا كبيرا.

وكتبت المنظمة أنه في هذه المنطقة التي تعد الأكثر أمانا من حيث المبدأ، “يواجه الصحافيون أسوأ التهديدات اليوم”، مشيرة إلى قتل صحافيين في مالطا وسلوفاكيا وبلغاريا وهجمات كلامية في صربيا أو مونتينيغرو، أو مستوى غير مسبوق من العنف خلال تظاهرات “السترات الصفراء” من قبل رجال الشرطة والمتظاهرين على حد السواء، في فرنسا التي جاءت في المرتبة الـ32، التي تراجعت مرتبة واحدة.

وقال ديلوار إن “الدفاع عن حرية ومصداقية الخبر يجب أن يصبح رهانا أكبر للمواطنين، أيا كان موقفهم من الصحافيين وأيا تكن الانتقادات”. ومع ذلك مازالت بعض الدول رائدة في حرية الصحافة، مثل النرويج التي بقيت في المرتبة الأولى، وفنلندا الثانية وكوستاريكا العاشرة التي تعد حالة متميزة في القارة الأميركية، يمكن للصحافيين فيها العمل بحرية. في حين تراجعت السويد مركزا واحدا بسبب زيادة المضايقات السيبرانية لتأتي في المركز الثالث.

وبحسب ما أفاد صهيب الخياطي مدير مكتب شمال أفريقيا لمنظمة مراسلون بلا حدود تونس، خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة التونسية، سجلت تونس تقدما كبيرا بـ25 مرتبة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة بانتقالها في الترتيب من 97 إلى 72. وقال الخياطي إن تونس هي البلد الوحيد الذي يواصل مسار الانتقال نحو الديمقراطية بعد “انتفاضات الربيع العربي” وتقدمت بـ25 مرتبة في نسخة 2019 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة.

وبرر الخياطي هذا التقدم بتقلص نسبة الانتهاكات الموجهة ضد الصحافيين والتزام البلاد بنهج الديمقراطية وانخراطها في مبادرة الإعلام والديمقراطية التي أطلقتها المنظمة في نوفمبر الماضي بمناسبة منتدى السلام بباريس.

وأوضح أن صحافيي شمال أفريقيا يعيشون “مناخا معاديا” يصعب فيه الاضطلاع بدورهم من أجل إعلام مستقل. ومن جهة أخرى، أكدت رانية الشابي، ممثلة عن المنظمة مهتمة بالشأن الليبي، خلال المؤتمر ذاته، تراجع حرية الصحافة في ليبيا بسبب النزاع المسلح الأخير.

وأوضحت أن ليبيا حافظت على نفس مرتبتها السابقة في تصنيف حرية الصحافة وهي المرتبة الـ162. وأكدت أن عدم التراجع لا يعني تحسن الوضع، لكن الأوضاع في البلدان الأخرى ازدادت سوءا. وتعد “مراسلون بلا حدود” هذا التصنيف السنوي بعد متابعة أعمال العنف التي ترتكب ضد الصحافيين وعبر جمع تحليلات الصحافيين والحقوقيين والباحثين في جميع أنحاء العالم.

18