مراسلو الحروب يطالبون شركات الإنترنت بدفع تكاليف عملهم

عدد من الصحافيين الأوروبيين يشكلون حملة لمطالبة الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم على شركات الإنترنت التي تحقق أرباحا طائلة دون وجه حق، من محتوى يكلف المؤسسات الصحافية مبالغ كبيرة، ويخاطر الصحافيون بحياتهم من أجله.
الأربعاء 2018/08/29
اقتراح سامي كيتز يأتي من واقع تجربته في تغطية الحروب

باريس - وقع أكثر من مئة من كبار المراسلين ورؤساء تحرير وسائل إعلام في 27 دولة من الاتحاد الأوروبي بيانا وضعه سامي كيتز مدير مكتب وكالة فرانس برس في بغداد ، لاتخاذ إجراءات تُلزم مجموعات الإنترنت العملاقة مثل غوغل وفيسبوك بدفع مبالغ لمنشئي المحتويات على الإنترنت، ومنهم وسائل الإعلام.

والبيان الذي وقعه 103 صحافيين، نشرته فرانس برس على موقعها الإلكتروني وعدد من وسائل الإعلام الأوروبية بينها الصحف الفرنسية “لوموند” و”لوفيغارو” و”جورنال دو ديمانش” والبلجيكية “لا ليبر بلجيك” والألمانية “تاغيسشبيغل”.

لكن هذا الإجراء يلقى معارضة من شركات الإنترنت، وكان البرلمان الأوروبي رفض مطلع يوليو تعديلا لحقوق المؤلف ينص على فرض رسم من هذا النوع، بعد أن خاضت المجموعات العملاقة للإنترنت التي يرمز إليها بكلمة “غافا” (الحرف الأول من أسماء غوغل وأبل وفيسبوك وأمازون) حملة غير مسبوقة على مستوى الهيئات الأوروبية ضد هذا الإصلاح، مشددة على أنه يمكن أن يقوض مجانية الإنترنت.

لكن هذه الشركات تتجاهل عن عمد حقيقة أن تقديم عمل صحافي من نوعية عالية بات أكثر فأكثر صعوبة على وسائل الإعلام التي تكافح في ظلّ مصاعب اقتصادية وخصوصا في مناطق النزاعات، فيما تستولي هذه الشركات مجانا على حصيلة ما ينتجه صحافيون خاطروا بحياتهم للحصول عليها.

وتتربّع الخسائر البشرية على رأس التكاليف التي تتكبّدها المؤسسات الإعلامية، فقد قتل منذ مطلع العام الحالي خمسون صحافيا في العالم، وفقا لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، وهو رقم يوازي ذلك المسجّل في العام 2017 كلّه.

إضافة إلى ذلك، تتكبّد وسائل الإعلام نفقات باهظة في تغطية الأخبار في مناطق النزاعات، سواء لإعداد تقارير إذاعية أو تلفزيونية.

وكتب سامي كيتز مدير مكتب فرانس برس في بغداد الذي قام بتغطية عدد كبير من النزاعات لحساب الوكالة، “خلال أكثر من أربعين عاما من العمل، شهدتُ تراجع عدد الصحافيين الميدانيين بشكل متواصل بينما تتزايد المخاطر بلا توقف. أصبحنا أهدافا وأصبحت كلفة التحقيقات أكبر”.

وأضاف “ولى الزمن الذي كنت أذهب فيه إلى الحرب بسترة أو بقميص بسيط ومفكرة في جيبي، إلى جانب مصور فوتوغرافي أو مصور فيديو”، وتابع “اليوم نحتاج إلى سترات واقية من الرصاص وخوذ وسيارات مصفحة وأحيانا حراس شخصيين لتجنب أن نخطف”. وتساءل كيتز في النص “من يدفع مثل هذه النفقات؟ وسائل الإعلام وهي (النفقات) كبيرة”.

ومن موقعي البيان صحافيون معروفون مثل الفرنسية فلورانس أوبينا والألماني فولفغانغ بوير والبريطاني جيسون بورك والمصور السويدي بول هانسن.

وقال كيتز إن “وسائل الإعلام التي تنتج المضامين وترسل صحافييها ليجازفوا بحياتهم من أجل تقديم معلومات جديرة بالثقة ومتعددة الرؤى وكاملة لقاء كلفة تتزايد، ليست هي التي تحصل على الأرباح، بل المنصات التي تستخدمها دون أن تدفع أموالا”، وأضاف أن “الأمر يشبه العمل لشخص آخر يقطف بلا رادع وفي العلن ثمرة العمل”.

من جهته يقول جان فرنسوا لوروا مدير مهرجان “فيزا” للتصوير الصحافي الذي يقام في سبتمبر في بيربينيان في جنوب فرنسا “أصبحت تغطية النزاعات أكثر فأكثر كلفة، لأن المطلوب فريق كبير لتجنّب المخاطر، من متعاونين محليّين وحرّاس ومترجمين وسائقين”. ويضيف “قبل سنوات، حسبت صحيفة نيويورك تايمز كلفة اليوم الواحد من العمل في بغداد، وتبيّن أنها عشرة آلاف دولار. ففي ما مضى لم تكن الصحافة، هدفا للمتحاربين، بل على العكس كان كلّ طرف ينظر إليها على أنها حليف يُكسب ودّه لنقل وجهة النظر، لكن الأمر اختلف في السنوات الماضية، وظهرت مجموعات متخصصة في خطف الصحافيين للحصول على مبالغ مالية في مقابل إطلاق سراحهم”.

ويضاف إلى كلّ هذه المتاعب التطوّر التقني الذي صار يفرض على الصحافيين أن يجدّدوا أدواتهم بشكل مستمر.

في المقابل، تعاني الصحافة من انحسار عائداتها بسبب انتشار المعلومات والتقارير عبر الإنترنت. ويوضح لوروا “قبل ثلاثين عاما، كانت التقارير تباع بمبلغ يصل إلى 15 ألف يورو، أما اليوم فإن الحصول على ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف أمر استثنائي”.

وأوضح البيان الذي وقعه الصحافيون أن وسائل الإعلام “باتت تريد التأكيد على حقوقها لتتمكن من مواصلة نقل المعلومات، وتطلب أن يتم تقاسم العائدات التجارية لهذه المحتويات مع المنتجين سواء كانوا وسائل إعلام أو فنانين. هذا ما يسمى الرسوم المجاورة”. ورفض البيان “الكذب الذي ينقله غوغل أو فيسبوك ويفيد بأن قرار الرسوم المجاورة يهدد مجانية الإنترنت”.

وأكد أن “الأمر يتعلق بالدفاع عن حرية الصحافة، لأنه إذا لم يعد هناك صحافيون لدى وسائل الإعلام، فلن تكون هناك تلك الحرية التي يحرص عليها النواب أيا تكن انتماءاتهم السياسية”.

ويدعو البيان النواب الأوروبيين إلى “التصويت بكثافة مع تطبيق الرسوم المجاورة على المؤسسات الصحافية لتعيش الديمقراطية وأحد أبرز رموزها الصحافة”. وقال جيرار ريل مدير التجمّع الدولي للصحافيين الاستقصائيين “الصحافة تكافح من أجل البقاء، إنها تنازع، ووسائل الإعلام تخفّض نفقاتها ولا سيما في التحقيقات الاستقصائية لأنها الأكثر كلفة”.

وأضاف “التحقيقات لا تستغرق وقتا طويلا فحسب، بل هي أكثر خطورة أيضا، وليس من المؤكد دائما أن يجد التحقيق طريقه إلى النشر، وفي حال نُشر فقد يكون سببا لمتاعب قضائية”.

ويرأس جيرار ريل التجمّع الذي كان وراء الكشف عن وثائق بنما. وقال “كلّفنا ذلك الملفّ مليوني دولار تضاف إليها نفقات المراسلين البالغ عددهم 300 في المؤسسات الإعلامية الشريكة لنا، الذين تعاونوا معنا في هذا المشروع في العالم”.

18