مرافئ العشق

الاثنين 2016/01/25

العشق لا يعرف الشيخوخة ولا يعترف بالسنين والعمر، قوانين الزمن والعمر الافتراضي لا تنطبق على مشاعرنا. الأستاذة سلوى عاشقة متيمة من الزمن الجميل، لزوج فارق الحياة منذ أكثر من خمس سنوات، امرأة تخطت الستين من عمرها ولكن قلبها مازال بكرا يجدد خلاياه كل صباح، تستنشق عطر زوجها مع إشراقة الشمس، وتبث نجمات السماء لوعة الفراق كل مساء.

أراها كل يوم تذهب بحفيدتها إلى المدرسة، والنادي، امرأة من طراز فريد، أم حنونة، وجدة رائعة، منذ أن تعارفنا أعتز بصداقتها، رغم فارق السن. سألتها يوما ـ لأفتح شهيتها لكلام ربما لا تجيد غيره في زمن العنف والكراهية ـ عن سر حبها ووفائها لزوجها ولماذا تنتظر اللحاق به كانتظار الطفلة للأعياد؟ فلم تذكر أسبابا عدة، ولم تشأ الإسهاب في الحديث عن السر، بل قالت: الحب والإخلاص، فالخيانة هي الطعنة التي تنغرس في قلب أي امرأة وتقتل أي علاقة، وراحت تسرد قصة حب احتضنت سنوات عمرها وغلفت الحياة كلها بغلاف الرومانسية. تنطق باسمه كل دقيقة، لا تتحين فرصا لوضع اسمه في جملة مفيدة بل تنطقه لتبدأ به كل الجمل، هو بداية الحديث ومنتصفه ومنتهاه، وحده بنظرها يصلح لأن يكون جملة مفيدة.

وفي اليوم التالي لسؤالي، جاءتني بخطابات غرامية صفراء اللون يفوح منها عطر الحب والزمن، عمرها قد يعود لسنوات طويلة، قلت لها كم عمر هذه الخطابات؟ فقالت: هي عمري أنا، أول خطاب منها هو شهادة ميلادي ثم أتبعه سنوات العمر، كان زوجي يعمل بالبحر، ومع كل ميناء يزوره وكل مدينة يسكن قلبها ولو لأيام، وكل مرفأ يرسو عليه يهديني وردة وقبلة وخطابا، حتى صارت لنا مرافئ للعشق في كل بلاد العالم، حكاية مليئة بالدفء والتفاصيل الإنسانية الجميلة.

على الرغم من أن الغيرة طبع العشاق إلا أنها لم تذكر لها مكانا بقصة حبها، لا دور البطولة في موقف عابر أو حتى كومبارس، وكيف تعرف الغيرة طريقا لقلبين كادا أن يتوحدا.

توقفت في حديثها عن زوجها، الحبيب الراحل عند نقطتين هامتين، الأولى أنها لم تذكر بطلا للحب سوى الإخلاص والوفاء، وعدم الخيانة، فالحب عندها وفاء لا يكتمل بالنظر إلى أخرى أو جعلها رقما في معادلة حياة الرجل.

والثانية أنها تنتمي إلى جيل لديه من المستندات العشقية ما يؤرخ للمشهد الغرامي بأدلة دامغة وبراهين ساطعة، مازالت لديه ذاكرة للحب، وخزانة للذكريات يفتحها متى شاء، ويتسلح بهذا الحب ضد جحود الأيام، له ما يعود إليه متى شاء.

كلامها أثار بداخلي أسئلة عدة، وأمنيات لا تنتهي، فالمشهد العاطفي الآن أصبح آنيا، لحظيا، دون ذاكرة ولا أوراق ولا مستندات. فقط مكالمة هاتفية عاجلة برصيد مجاني، تشبع مشاعر وقتية ولا يمكننا العودة بالمشهد إلى الوراء، فبمجرد نهاية المكالمة ربما ترن كلمة أحبك ـ إذا قيلت ـ لبعض لحظات بأذن المرأة ثم ما تلبث أن تنشغل بأمور حياتية، ما أكثرها، وتنسى ما كان.

ليتني ونساء جيلي نؤرخ لمشاعرنا، ربما كانت ذخيرتنا لعمر قادم لا نعلم حجم منغصاته، ومشاكله، وانبعاثاته لملوثات الكراهية من حولنا.

21