مراكبنا المحروقة

الاثنين 2015/08/24

لا تحرقوا مراكب الحوار فهي جسر العبور إلى الشاطئ الآخر. تنتابنا حالات وقتية من الغضب لا تساوي في عمر الزمن شيئاً ولكنها تأخذ من أعمارنا الكثير.

نكرس حياة تنتظر منا أن نحياها في حب، أسوأ مشاعر الكراهية، نتشاجر لأتفه الأسباب ونكثر من اللعن والسباب وننفر من أناس كانوا بالأمس القريب سبب سعادتنا، وساهرين على راحتنا.

إن أسوأ ما في البشر أن تحسن لهم دهراً ثم يصدر منك موقفً ربما يكون عفوياً، فينسون إحسان الدهر ويتمسكون بذلك العارض العفوي.

كانت زميلتي في العمل تحتفظ بعلاقة فاترة مع زوجها لسنوات، تسمع أخبار علاقاته الغرامية كمن تستمع لقصة امرأة مجهولة وليست عذاباتها هي. تغض الطرف عن الكثير من الأفعال والأكثر من الأقوال، تحكي لي وللآخرين بثغر باسم، أشطاط غيظاً، فلا أعرف سبيلاً غير المناقشة ولا أملك أسلحة أقوى ولا أنقى من العتاب، فتضحك: دعيه، أنا أترك له الحبل على الغارب حتى يشنق نفسه به.

لا أفهم لماذا تترك نصفها الآخر مشتتا بين أحضان النساء، يعف عليهن مثل ذباب القاذورات، ويترك اللحم الطيب، ما الفخ الذي تنصبه لهذا الرجل، لماذا لا تناقشه بالحوار الهادئ، تعلن عن رفضها لأفعال تأكل كرامتها وتهضم أنوثتها كنارٍ جائعة.

ظلت هكذا حتى حدثت مشاجرة قوية عاصفة انتهت بزيارة حتمية مؤجلة منذ سنوات للمأذون، حدث الطلاق الذي كان متوقعاً وليس غريباً، لكن الغريب أنها مزقت ملابسه كامرأة حزينة هاربة من مشهد انتقامي من فيلم عربي قديم، مزقت كل صورهما معاً، أزالت بصمة بارزة لعشر سنوات من الحياة الزوجية، وثلاثة أطفال، والكثير من الحزن، وبعض اللامبالاة بنصل “مقص”.

أمسكت بالمقص وبدأت في تمزيق ملابس الرجل وصوره وحاجياته انتقاما لأنه تركها، ونسيت أنها تركته قبلاً وطرحت مشاعره ومشاعرها وحياتهما في مناقصة عامة.

لا ألومها على شيء فخلف الأبواب المغلقة الكثير من الأسرار، وقد تحكي المرأة زاوية وحتماً تترك باقي الزوايا في منطقة معتمة، ويحكي الرجل كذلك زاوية ويقبر باقي الزوايا في غرفة الأسرار، لكنني ألوم تصيد الأخطاء ونصب الشباك لأقرب الناس، وترك الحوار على أرفف الحياة، على الرغم من أنه قد يكون الرهان الباقي في علاقات نظن أنها فقدت صلاحيتها.

ننسف جزءاً من حياتنا وفترة عايشناها بحلوها ومرها بنصلٍ حاد، يا لسذاجتنا نعتقد أن تمزيق الملابس انتقام، وأن تقطيع الصور يعود بالزمن إلى الوراء فلا نجد من مزقنا وجوههم في حياتنا، هيهات، هيهات.

عاشت زميلتي فترة قصيرة تنعم بالسعادة لنصرها المزعوم، وما إن استفاقت حتى شعرت بحتمية الحوار وأنها قد تركت أعظم ما يميزنا كبشر وهو الكلام.

حاولت استرجاع الزمن لعودة الحياة لمجاريها حتى تستخدم حقها في العتاب والبوح دون جدوى، أدركت أن زوجها ووالد أطفالها وهي قبله كانا ضحية لسوء الظن ووسوسة بعض أفاعي البشر. ولكنها وهو أيضاً قد أحرقا مراكب الحوار في لحظات العصبية وفقدا جسر العودة، أضاعا الحياة وأغرقا أطفالهما في بئر سوء الظن.

21