مراكب الموت: ضجيج أوروبي لإرضاء الضمير

الخميس 2015/04/30

لا شك أن مراكب الموت التي تغادر السواحل الليبية باتجاه الشاطئ الإيطالي في أغلب الحالات أو اليوناني أحيانا، وينتهي ركابها موتى بلا قبور، وبهذه الأعداد المهولة التي تعدت في الأسابيع الماضية الألف غريق، مسألة لابد أن يهتز لها الضمير الإنساني في كل مكان في العالم، ولابد أن يرافق هذا الإحساس بالألم والحزن، إحساس بالإثم والذنب لدى بلدان القارة الأوروبية التي يقصدها هؤلاء المهاجرون، وتمثل آخر مراحل التدرج الحضاري، ليس فقط لأن هؤلاء الضحايا يموتون وهم ينشدون الوصول إلى أرض الأحلام في أوروبا، ويغامرون بحياتهم من أجل أن تطأ أقدامهم تراب هذه القارة التي استقطبت آمالهم، وصار الفوز بالحياة مع أهلها أقصى أمانيهم، وإنما أيضا لأن الضمير في مثل هذه القارة التي وصلت أعلى مراحل التقدم وتوفر أهلها على أفضل فرص التعليم، لابد أن يكون أكثر رهافة وأقوى إحساسا، ولابد أن ما يعانيه من ألم لموت هؤلاء البؤساء، سيكون أقوى عشرات المرات مما يشعر به أي مواطن في أي بقعة أخرى في العالم.

فماذا فعلت الحكومات المسؤولة عن إدارة هذه المجتمعات الحضارية، وأي إجراء قامت باتخاذه لإرضاء الضمير الجمعي لمواطنيها، وإشعار الرأي العام في بلدانها بأنها قادرة على إسكات وخزات هذا الضمير؟

هذه الحكومات التي وصلت إلى مقاعد السلطة بفضل هذا المواطن، وتحرص على أن تكون تعبيرا عن مشاعره، وتمثيلا لما يراه ويفكر فيه، اهتدت إلى طريقة لإسكات ضمائر مواطني بلدانها، بأسلوب رخيص لا يكلف فلسا واحدا، وفي نفس الوقت يجعل المواطن يحس بالرضا والامتنان لأن حكوماته استطاعت القيام بجهد لإسكات صراخ الضمير، بأن أغرقت صراخه بضجيج يعلو عليه، واعتبرت هذا الضجيج تعويضا مجزيا للضحايا وإشعارا لهم، بإنها فعلا تتعاطف مع مأساتهم، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

وفي سبيل أن يرتفع الصخب إلى أعلى درجاته، جعلت المؤتمرات التي تعقدها لا تقتصر على الموظفين الصغار، وإنما عقدت مؤتمرات يحضرها زعماء الاتحاد الأوروبي أنفسهم، وأطلقت عقيرة وسائل الإعلام في بلدانها إلى أقصى درجة تصلها أصوات هذه الوسائل، مسموعة ومرئية ومقروءة، بل وصلت صناعة الضجيج إلى أهل الفن، يجعلون من هذه القضية موضوعا لإنتاج أعمالهم، وكله للأسف يدخل في إطار “تسمع جعجعة ولا ترى طحينا”، فهي رحى تدور كما تفعل طواحين الهواء في رواية دون كيشوت، وليست طواحين الحجر التي تريد إلقامها حبوبا، لأن الحبوب تكلف نقودا، وتتحول إلى دقيق يصنع خبزا يمكن أن يصل هؤلاء الجياع قبل قيامهم برحلة الموت، فتبقيهم فوق اليابسة ولا يغامرون بإلقاء أنفسهم إلى التهلكة، ويقدمون أجسادهم طعاما لأسماك البحر الأبيض المتوسط.

هل يمكن لأحد صانعي هذا الصخب، أن يذكر إجراء واحدا فعلوه غير كلام أكل الهواء، كما يسميه التعبير العامي، أم أن الحديث عن إضافة قوارب إلى قوارب الإنقاذ ينفع حقا في إسكات صوت الضمير، وهم يعلمون أن القوارب لم تصنع أي فرق في عدد الضحايا.

لقد بلغ عدد الضحايا في العام الماضي، 3500 ضحية، ولا أدري كم قارب إنقاذ أضيف هذا العام، ولكن حجم الضحايا وصل الآن، ولم يتناصف العام الجديد، إلى ما يقرب من هذا الرقم، فالمسألة إذن، كما يعرف السادة الكبار في الاتحاد الأوروبي، لا تكمن في الدفع بقارب إنقاذ جديد إلى البحر وإنما تتطلب معالجة لجذور المشكلة، وأهمها في اللحظة الراهنة الفراغ المرعب الذي تعيشه ليبيا، فهي أرض بحجم قارة، تحيا بلا دولة ولا حكومة تبسط سلطانها على كل التراب الليبي، ولا مؤسسات أمنية أو عسكرية، فصارت ملعبا للدواعش وأهل التطرف من جماعات الإرهاب الديني والسياسي، والمجرمين الهاربين من قضايا جنائية في بلدانهم، ولا رادع يمنعهم من مواصلة ارتكاب جرائمهم وجناياتهم، وهذه المافيا التي تصنع قوارب الموت وتتاجر بجلب الضحايا من العمق الأفريقي عبر الصحراء، وتبتزهم وتعتاش على مآسيهم، لا تجد في ليبيا حكومة ولا قانونا ولا سلطة تحاسب أو تلاحق أو تطارد، والحراك الشرعي العاجز في ليبيا يستصرخ الإنسانية والدول الأوروبية والمجتمع الدولي، طالبا العون في تسليح جيشه، والعون على محاربة الإرهاب والمافيا، فتسقط صرخاته في آذان لا تصغي، وتضيع في صخب الآلة الأوروبية العملاقة، السياسية والإعلامية التي تدور في الهواء، لكي ترضي ضميرا لا يتحرك، وحكومات لا تريد أن تكلف نفسها شيئا، تتفرج على ما يحدث من كوارث، وتتصاعد شعاراتها الكاذبة عن الإنسانية والحضارة والأخوة البشرية، فأي دجل نراه في هذا العالم المعاصر.

قوارب الموت اختبار للقيم الإنسانية في عالمنا الحديث، وقد سقطت أوروبا في هذا الاختبار.

كاتب ليبي

9