مراكز تابعة لجمعيات شرعية في مصر تحشو أدمغة الأطفال بأفكار عنصرية

ظاهرة تطرف مدارس رياض الأطفال التابعة للجمعيات الشرعية والمملوكة لتيارات إسلامية، تكشف عن أهداف تيارات متطرفة لترسيخ التشدد الديني في أذهان الصغار.
الخميس 2018/10/04
مدارس تابعة لجمعيات إسلامية في مصر

القاهرة - أظهرت انتفاضة عدد من أعضاء مجلس النواب المصري، ضد تطرف مدارس رياض الأطفال التابعة للجمعيات الشرعية والمملوكة لتيارات إسلامية، حجم تحولها إلى حاضنات للفكر المتطرف، وكشفت القضية النقاب عن قيامها بترسيخ التشدد الديني في أذهان الصغار الذين يتلقون تعليمهم على يد مجموعة من الشيوخ والدعاة، دون رقابة من الحكومة على المناهج أو سلوكيات المسؤولين عن الحضانات.

قال محمود بدر عضو البرلمان المصري، في طلب قدمه لكل من علي عبدالعال رئيس مجلس النواب، ومصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وغادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، الاثنين الماضي، إن المناهج التي يتم تدريسها بمدارس الأطفال التابعة للجمعيات الشرعية، يتم تفسير الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فيها بشكل خاطئ، وبما يحض على التطرف الديني، على غرار تحريم الفن والغناء والصور وعدم مصاحبة أصحاب الديانات السماوية الأخرى.

 ودعا النائب إلى تحديد جلسة عاجلة في مجلس النواب، لمناقشة المناهج والتصدي لمحاولات الجمعيات الشرعية، استقطاب الأطفال والتلاعب بعقولهم، وترسيخ أفكار هدامة تصنع منهم متشددين، بشكل يصعب معه تقويم سلوكياتهم عند التقدم في السن.

وتضمن طلب البرلماني المصري مجموعة من الوثائق التي تبرهن على صحة موقفه، وكشف أن الأطفال يدرسون مقتطفات من التراث الإسلامي الذي كان يخاطب عصورا سابقة ويتناغم مع توجهات السلفيين والجماعة الإسلامية وتنظيم جماعة الإخوان.

وتتصدر المنهج السلفي السلوكيات والأفكار التي تتم تربية الأطفال عليها، وهي قائمة على النقل التام من التراث ورفض فكرة الاجتهاد في الدين، ويتم تعليم الصغار أن مخالفتها “من المحرمات” ويجب على المسلمين تطبيقها كما فعل الصحابة والتابعون.

وتتضمن المناهج التعريف بمعاني الشرك والجزاء، ويحظر على الطلاب المسيحيين تلقي التعليم في هذه الأماكن، لأنها تخاطب المسلمين فقط، في مؤشر يعكس أن هذا النوع من التعليم قائم على العنصرية ومعاداة الأقباط، وغياب سمات التآخي والتراحم والترابط بين الأسر، بحيث تقوم العلاقات الاجتماعية بين الناس على أساس ديني فقط.

ورصدت “العرب” أن أكثر الأسر التي تلحق أبناءها بمدارس الجمعيات الإسلامية، من البسطاء وغير المتعلمين، وهؤلاء نجحت إدارات المساجد التي تمتلك مراكز تعليمية، في إقناعهم بأن هذه الأماكن في صدارة المؤسسات التي تعلم الأطفال أصول الدين، لأن المدارس أصبحت تهمش التربية الدينية.

وقال صبري غازي، وهو أب غير متعلم ويمتلك ورشة أحذية بحي عين شمس في شمال القاهرة، لـ”العرب” إنه ألحق طفله في حضانة إسلامية، لكنه لا يراجع المناهج ولا يعرف محتواها، والمهم أن يكبر ابنه وهو يحفظ القرآن الكريم ويعرف تعاليم دينه، وعندما سأل إدارة المسجد أبلغته بعدم دفع مبالغ مالية نظير التزام نجله حضور الدروس والانصياع لتعليمات شيوخه.

أكثر الأسر التي تلحق أبناءها بمدارس الجمعيات الإسلامية، من البسطاء وغير المتعلمين

وتعتمد هذه النوعية من المراكز التعليمية التابعة لمساجد جمعيات ومؤسسات خيرية، في جمع تبرعات مالية ضخمة، على التعاطف الشعبي معها، بعد نجاحها في إقناع البسطاء تحديدا أنها السبيل لتعليم أبنائهم الدين الإسلامي الصحيح.

واللافت أن الحكومة كانت اتخذت قرارا في أبريل من عام 2016، يقضي بغلق جميع مراكز تحفيظ القرآن أو تعليم القراءات ومعاهد إعداد الدعاة الخاصة ومراكز الثقافة الإسلامية التابعة للجمعيات الأهلية، ما يعني أن الباقي منها يعمل بعيدا عن أعين الجهات الرسمية في الدولة.

وما يبرهن على ذلك، أن وزارة التضامن الاجتماعي المشرفة على الجمعيات الخيرية والأهلية، حددت أهداف مدارس رياض الأطفال في تنمية مواهبهم وقدراتهم، وتهيئتهم بدنيا وثقافيا ونفسيا وأخلاقيا بما يتفق مع أهداف المجتمع وقيمه الدينية، وتلبية حاجة الأطفال للترويح ومزاولة الألعاب والأنشطة الترفيهية المناسبة لأعمارهم، دون التطرق لكونها مراكز تعليمية.

ورصدت “العرب” انتشار مراكز تعليمية تابعة للجمعيات الخيرية والشرعية، في الأحياء الشعبية والقرى والريف بشكل يجعلها متحصنة في الالتزام الديني لسكان هذه المناطق، ويبعد عنها أعين الرقابة الأمنية والحكومية، حيث تبدأ الدعاية لنفسها على أنها دار لتحفيظ القرآن، ثم تتوسع لتكون بيئة تعليمية موازية للمدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم، تضع مناهجها وطريقة التعليم فيها وفق أفكار القائمين عليها.

وتلحق غالبا بمساجد بها كتاتيب ومستشفيات وصالات أفراح على الطريقة الإسلامية، فضلا عن صالات للعزاء لغير القادرين، ويستثمر القائمون على إدارة المساجد حاجة الناس، في جمع تبرعات للفقراء والمقبلين على الزواج ودفع تكاليف تعليم الأطفال على “الكتاب والسُنة”، دون رقابة وزارتي الأوقاف أو التضامن الاجتماعي.

وأوضح محمد رزق، أحد سكان حي المطرية (شمال القاهرة)، أنه امتنع عن تعليم طفلتيه بالمركز التعليمي التابع لجمعية تحمل اسم “السنة المحمـدية”، لأنها ترسخ لدى الصغار أن الدين هو المتحكم في كل مناحي الحياة، قائلا “أصبحت كلما تحدثت مع أبنائي في شيء، يردون بأن ذلك ‘حرام’، حتى مشاهدة التلفاز”.

وأضاف لـ”العرب” أنه عندما سأل عن طبيعة الدراسة في المركز، أجابه المسؤولون باقتصار الأمر على أبناء المسلمين فقط، لافتا إلى أنه لاحظ تغيرا سريعا في سلوك ابنتيه، فهما تتحدثان باللغة العربية الفصحى، وتنظران إلى باقي أعضاء الأسرة بريبة وكأنهم يخالفون الدين.

وتستثمر هذه المراكز التعليمية ضبابية وتشتت الرقابة الحكومية على مناهجها للتمادي في تشكيل وعي الأطفال وفق توجهاتها الفكرية، فهناك فريق يتحدث عن خضوعها للأزهر، وآخر يقول إنها تابعة لوزارة التربية والتعليم، وثالث يلقيها على عاتق الأوقاف باعتبارها تابعة للمساجد، ورابع يعتبرها تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي.

وتحمل المراكز التعليمية أسماء توحي بأنها في دولة يحكمها الإسلاميون، على غرار “بيبي مسلم”، “نور الإسلام”، “ابن كعب”، “التقوى الإسلامية”، “جنة الخلد”، “براعم الإسلام”، في مؤشر يعكس أن التعليم قائم على الدين فقط، وكل المناهج تدور في ذات الفلك.

وأشار كمال مغيث الخبير في مركز البحوث التربوية، إلى أن وجود هذه المراكز التابعة لإدارات بعض المساجد يحمل خطورة داهمة، لأن الطفل يكبر على أن الدين أساس كل شيء في حياته، وما يخالف المنهج الذي تربى عليه، فهو حرام.

13