مراكز تدقيق بدائية تتحكم بمصير الفارين من الحرب في الموصل

الاثنين 2017/06/19
لا أحد يعرف أين سيبيت ليلته القادمة

الموصل (العراق) - مثّلت عملية التدقيق الأمني لفرز المنتمين إلى تنظيم داعش من الأشخاص العاديين، إحدى المعضلات التي رافقت مختلف مراحل الحرب على التنظيم المتشدّد في العراق والمستمرة منذ سنة 2014 إلى اليوم حيث بلغت منعطفها الحاسم في مدينة الموصل.

وتتم عملية الفرز تلك على مداخل القرى والمدن التي تستعاد من داعش بهدف منع مقاتلي التنظيم من التسرّب ضمن الأهالي الفارّين من الحرب، على عجل وبوسائل بسيطة ما يعسّر عملية التدقيق والتحرّي ويجعل الكثيرين يذهبون ضحايا لمجرّد وشاية أو معلومة خاطئة أو تشابه في الأسماء.

وقد تجعل هذه العملية في المقابل أشخاصا انتموا بالفعل إلى تنظيم داعش وحاربوا إلى جانبه يتمكّنون من الفرار والنجاة من المحاسبة ليشكّلوا بعد ذلك تهديدا للأمن في الأماكن التي ينتقلون إليها.

ويصبح الأمر أكثر سوءا حين تتدخّل الاعتبارات الطائفية والعرقية في عمل مراكز التدقيق، وتغدو عملية الفرز وسيلة للانتقام وتصفية الحسابات بين طوائف العراق ومكوناته القومية.

وعلى سبيل المثال شهدت مدينة الفلّوجة بمحافظة الأنبار غربي العراق أثناء معارك استعادتها من تنظيم داعش العام الماضي الآلاف من عمليات الاعتقال على الحواجز ونقاط التفتيش من قبل عناصر الميليشيات الشيعية المشاركة في الحرب، ولا يزال الكثير من المعتقلين إلى اليوم في عداد المفقودين ويرجّح أهاليهم أن يكونوا قتلوا على الهوية انتقاما من السكان السنّة للمدينة المتهمين من قبل الميليشيات باحتضان تنظيم داعش والتعاون معه.

كذلك مارست القوات الكردية من بيشمركة وأسايش عمليات اعتقال تعسفي لنازحين فارين من الحرب في عدّة مناطق بشمال العراق على سبيل الانتقام العرقي.

ولا يكف مركز التدقيق الأمني الذي أنشئ عند أسفل دولاب هواء توقف عن الدوران منذ زمن في الموصل، عن استقبال سيل الأهالي الفارين من المعارك في المدينة، ليكون مفترقا لتحديد المصير.

ويصف تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية كيف يجلس رجال منهكون على سيارات الملاهي الكهربائية القريبة، فيما يفترش آخرون الأرض، وينتظرون بقلق استدعاءهم بالاسم من قبل ضباط الجيش.

وتقع مدينة الملاهي الصغيرة تلك في نهاية جسر عائم فوق نهر دجلة افتتح مؤخرا للمدنيين، ويمثل الرابط المادي الوحيد بين ضفتي النهر.

ويقول المسؤول عن مركز التدقيق العميد في القوات الجوية جبار مصطفى إن “كل من يعبر الشرق يجب أن يمر من هنا”.

ويوضح أن “هناك خياما طبية للعائلات، وعلى الرجال أن يخضعوا للتدقيق استنادا إلى قاعدة بياناتنا قبل أن يتمكنوا من الانتقال” إلى شرق الموصل الذي استعادته القوات الأمنية من تنظيم داعش في يناير الماضي. ومعظم الوافدين الجدد هم من حي الشفاء في غرب الموصل، حيث تخوض القوات العراقية معارك ضد آخر من تبقى من مقاتلي داعش في المدينة.

وداخل المركز، يصنف بعض الرجال على أنهم أعضاء في التنظيم فورا، فيؤخذون جانبا وتقيّد أيديهم خلف ظهورهم بأصفاد بلاستيكية. وكان بين هؤلاء مصريان، اشتبه بهما بسبب جنسيتهما.

ووفقا لضباط عراقيين، فإن غالبية عناصر داعش المتبقين بأحياء غرب الموصل هم أجانب.

وبين الحشود المتجمعة، يتطوع أشخاص أحيانا لتقديم “معلومة” تدين أحد الجيران السابقين أو تبرئ آخر. وقد تكون الشهادة كيدية للانتقام من أحد ما، وقد تكون هادفة لإنقاذ صديق أو قريب.

ووصف أحد المصريين بأنه متعاطف مع داعش فيما أطلق سراح الثاني بعدما أكد العديد من الأشخاص أنه عمل جزارا في الموصل لثلاثين عاما.

ويشير صلاح محمد، الذي فر من حي الشفاء لكنه اضطر للعودة بسبب فقدانه بطاقة هويته إلى أن “عناصر داعش الأجانب يقاتلون حتى النهاية، لكن مؤيديه العراقيين عادوا واندسوا بين السكان”. ويضيف أنه “ليس صعبا على مؤيدي داعش أن يفلتوا من عملية تدقيق مماثلة”.

ويلفت العميد مصطفى إلى أنه يتم احتجاز ما بين عشرة إلى 15 شخصا يوميا في المركز، يشتبه في أنهم عناصر من داعش أو مؤيدون له.

وتبدو غالبية الحجج التي تستخدم لتصنيف هذا الشخص أو ذاك ضعيفة وواهية.

ولفت نظر موظفي المركز أن رضيعا بالغا من العمر 18 شهرا كان برفقة أمّه البكماء وخمسة من إخوته، اسمه أبوبكر، فاعتبروا ذلك مؤشرا على أن والد الصبية الذي لم يكن برفقتهم مبايع لزعيم داعش أبوبكر البغدادي.

ويؤكد الرائد معن مهدي من الفرقة 16 في الجيش العراقي أنه إذا لم يقدم المواطنون المساعدة للقوات الأمنية فلن تستطيع أن تميّز عناصر داعش عن غيرهم، مقرا بأن عملية التدقيق ليست مضمونة.

إلا أن مهدي أصر على أن الأمر يستغرق الكثير من تجميع المعلومات المتقاربة من السكان النازحين لاتخاذ قرار حيال مصير أحد ما، مؤكدا أن معظم هؤلاء يخضعون للتدقيق أكثر من مرة.

وتشكل الموصل منذ ثمانية أشهر ساحة لأكبر معركة عسكرية يشهدها العراق منذ سنوات، لكن عدد سكان المدينة لم ينخفض عن المليون.

ومعظم سكان شرق الموصل بقوا في منازلهم عند انطلاق العمليات العسكرية في 17 أكتوبر، وعاد الكثيرون إلى بعض الأحياء التي طرد منها داعش في غرب الموصل، رغم الدمار الهائل. وحتى قبل وضع الجسر العائم، لم يتوقف السكان أبدا عن التنقل بين شطري المدينة.

3