مراكش مدينة خضراء تحتضن قمة "كوب 22"

المدينة الحمراء ومدينة النخيل وزهرة الجنوب أسماء عديدة لمدينة واحدة قررت أن تحمل لقب المدينة الخضراء، من خلال مشاريع بيئية استعدادا لمؤتمر المناخ منها: حافلات كهربائية وحدائق إيكولوجية وإنارة بالألواح الشمسية ومساجد خضراء تساهم كلها في المحافظة على البيئة، علما وأن المدينة تعدّ الأفضل من حيث تميّز حدائقها التاريخية في العالم العربي الإسلامي.
الخميس 2016/09/15
مراكش مدينة الحدائق التاريخية

مراكش (المغرب) - تستعد مراكش لاحتضان فعاليات قمة المناخ العالمية “كوب22”، التي من المنتظر أن تنعقد في شهر نوفمبر القادم، وستكون المدينة التي رفعت شعار “كل شيء أخضر” في دائرة الضوء، كما سيشكل هذا المؤتمر الدولي فرصة ملائمة لتفعيل مختلف التطورات والإنجازات التي حققتها المملكة في مجال الطاقات المتجددة ومحاربة الآثار السلبية للتغيرات المناخية.

وستكون قمة كوب 22 فرصة كبيرة لزيادة الوعي بالمخاطر التي تحدق بكوكب الأرض، ونشر الثقافة البيئية في صفوف الأجيال الصاعدة، من خلال البرامج التربوية والأنشطة الموازية.

ولم تتكئ مراكش على إرث الماضي العريق فحسب، ولا على ما تمثل من موقع سياحي بارز، وإنما سعت إلى أن تواكب تحديات اللحظة، بحيث ستغدو في الأيام القادمة “المدينة الخضراء”، وسط ما شهدته وما تشهده من مشاريع صديقة للبيئة تراعي الاستدامة، وليس بغريب أن تستفيد مراكش من الإنجازات التي حققها المغرب عموما في هذا المجال، ولا سيما من جهة تدشين محطة “نور1” للطاقة الشمسية في مدينة ورزازات جنوب شرقي البلاد، التي تعد المرحلة الأولى ضمن مشروع هو الأكبر من نوعه في العالم، والهادف في مراحله المتبقية إلى تزويد مليون منزل مغربي بالطاقة النظيفة.

لوحة زيتية أم واجهة لحديقة ماجوريل

استعدادات

منذ الإعلان عن تنظيم قمة المناخ العالمية كوب 22 رسميا، والاستعدادات جارية، إذ عقدت مجموعة لقاءات بين وزراء القطاعات المعنية، من أجل التنسيق، ليمرّ هذا الحدث في أفضل الظروف، وحاليا انتقل التحضير إلى الميدان، إذ تشهد المدينة الحمراء انطلاق عدة مشاريع.

ومن بين المشاريع التي من المنتظر أن تساهم في تنظيم حركة السير بالمدينة وتزيد من جماليتها، مرآب للسيارات يتم إنشاؤه بمنطقة مجاورة لساحة جامع الفنا، التي غالبا ما تعرف حركة كثيفة خلال انعقاد مؤتمرات ومهرجانات دولية.

ونوّهت الأسبوعية الدولية الناطقة بالفرنسية “جون أفريك” في مقال تحت عنوان “مراكش الخضراء” نشرته في عددها الأخير، بالعديد من ورش العمل حول المشاريع الخضراء التي بلغت مراحلها النهائية بالمدينة التي تستعد لاستقبال العشرات من قادة الدول، لأجل مناقشة وتقرير مستقبل الأرض.

ونقلت الأسبوعية عن نائب عمدة مراكش احمد المتصدق أن “هذا الحدث العالمي يشكل فرصة للمغرب لكي يبرهن ميدانيا على قدرته على ترجمة التزاماته في مجال البيئة إلى مشاريع ملموسة”.

وأشارت المجلة إلى تشغيل أسطول من الحافلات الكهربائية، مؤكّدة أن هناك تغييرات أخرى منتظرة في المدينة من ضمنها تجديد الإنارة العمومية، وتأهيل 22 حديقة وتحويلها إلى حدائق إيكولوجية، إضافة إلى التزام المكتب الوطني للسكك الحديدية بتقليص الفاتورة الطاقية لمحطة القطار في مراكش إلى النصف عبر تركيب ألواح شمسية.

ونقلت الأسبوعية عن الوزيرة المكلفة بوزارة البيئة حكيمة الحيطي قولها إنه من بين المشاريع الأخرى، هناك محطة كهربائية تعمل بالغاز الحيوي المستخرج من المطرح القديم في مراكش.

وأكد المدير العام لشركة الاستثمارات الطاقية أحمد بارودي أن هذه التجربة فريدة من نوعها وهي عبارة عن نقلة نوعية ستتميز بها مراكش، وذلك من أجل استعداد مراكش لاستقبال الحدث الكبير والهام الذي يعدّ من أكبر التظاهرات البيئية الكبرى عالميا، حيث ستكون هذه المرافق التي سيتم تجهيزها عبارة عن حدائق مجهزة بأحدث الطرق المستدامة، وستتوفر على إضاءة مميزة تساهم في المحافظة على البيئة، إضافة إلى تزودها بكاميرات المراقبة ومجموعة من التقنيات الحديثة كشبكة الإنترنت ذات التدفق المرتفع.

رئيس مقاطعة المنارة: اختيار حديقة المنارة أيقونة للمؤتمر العالمي للمناخ حافز قوي ودافع إلى اتخاذ قرار لإصلاح الفضاء الأخضر

وأشار بارودي إلى أن هذه الحدائق ستكون مجهزة وجاهزة قبل موعد القمة، كما أنها ستشهد مجموعة من الأنشطة والورشات الفنية لصالح الأطفال تتنوع بين الرسم والقراءة وغيرهما من الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية، كما أن الأمر لن يقتصر فقط على الحدائق وإنما سيكون للمساجد أيضا نصيب في هذا التطور والتجهيز المهم، حيث ستسمى بالمساجد الخضراء، وذلك عن طريق اعتماد تجربة جديدة وفريدة من نوعها كذلك، تعمل عليها الشركة حاليا بشراكة مع وزارة الأوقاف، والتي ستهتم بإعادة تدوير المياه وعدم التبذير، ولا سيما أن هذه التجربة سيتمّ اعتمادها أيضا في نماذج للجامعات والمستشفيات بالمدينة.

حدائق مراكش

تعرف مراكش بألقاب عدة، المدينة الحمراء، عاصمة النخيل وزهرة الجنوب، وتضم مرافق وبنى تحتية هامة، ولا سيما منها الفنادق والمرافق السياحية المختلفة، فهي تضم أكثر من 1400 وحدة سكنية، فضلا عن 170 فندقا مصنفا، وقد تحولت قبلة للسياحة العالمية، ومقرا للمؤتمرات الدولية.

ويوجد بها عدد من الحدائق التاريخية التي تمت إعادة تهيئتها طوال القرون التي مضت منذ وجودها، لتكون متاحف مشرعة على الفضاء اللامتناهي، وتشكل بمناظرها الخضراء على مشارف الصحراء رمزا فريدا لخصوصية المدينة.

من أشهر هذه الفضاءات الخضراء، حديقة ماجوريل التي يقصدها سنويا 600 ألف زائر وقد صنفت ضمن أبرز اللوحات التي رسمتها يد الإنسان، وحوّلتها إلى واحة من الألوان في قلب المدينة، ففي عام 1923 أبدع الرسام الفرنسي جاك ماجوريل في هذه الحديقة التي حملت اسمه، حيث قام بجلب نباتات تم تجميعها من القارات الخمس، فتجاورت فيها أشجار النخيل والصبار والخيزران وسط اللون الأزرق حتى أن اسم أزرق الماجوريل أطلق على هذا المستوى من اللون الأزرق في اللغة الفرنسية نسبة إلى هذه الحديقة.

الحدائق الملونة تجلب السواح

وقال مسؤول التواصل بحدائق ماجوريل كيتو فييرو إن ماجوريل كان يهتم بالنباتات، ولقد حاول زرع نباتات غريبة أتى بها من مختلف أنحاء العالم لإقامة الحديقة.

وتعدّ حدائق أكدال أو “جنان الصالحة” الاسم الشعبي القديم لها إحدى أكبر الحدائق بمراكش إذ يرجع تاريخ إنشائها إلى القرن الثامن، ويعتبر تصميمها إنجازا رائعا تم نسخه في عدد من المناطق بالمملكة المغربية وحتى بمدينة إشبيلية، وكانت، أيضا، محلّ إعجاب لجمالها ونظام الريّ فيها وغنى منتوجاتها، بالنظر إلى كون المنطقة التي توجد فيها مهددة بالجفاف بسبب مناخها المتسم بقلة الأمطار.

وتعدّ هذه الحدائق ملاذا لطالبي السكينة والراحة، إذ تشكل واحة لاستقبال المسافرين العابرين إلى الصحراء، كما تعتبر اليوم أحد أقدم المعالم الأثرية في العالم العربي الإسلامي، حيث تم تصنيفها منذ سنة 1985 تراثا عالميا من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو).

ومن بين المزارات التي يستمتع بها زائر مدينة مراكش حدائق المنارة، وصهريج الماء، وجناح المنارة تلك البناية الصغيرة والبسيطة ذات القبة الهرمية الشكل والمغطاة بالقرميد الأخضر، والتي تقع بالجنوب الغربي من المدينة لتكون ذات قيمة إضافية للمناظر الطبيعية الكثيفة لجبال الأطلس بالجنوب والتلال القاحلة لمنطقة إجبيلات بالشمال.

وعكس حدائق أكدال، فإن بساتين المنارة تتميز بزراعة واحدة بالرغم من تواجد البعض من أشجار النخيل بالقرب منها، إذ تضم حوالي 40 صنفا من أشجار الزيتون.

وقال رئيس مقاطعة المنارة، محمد توفلا عن احتضان مدينة مراكش لقمة كوب 22، واختيار حديقة المنارة أيقونة للمؤتمر العالمي للمناخ؛ إن الموعد العالمي هو حافز قوي ودافع من بين الدوافع إلى اتخاذ قرار الإصلاح، مؤكدا أن الوضعية البيئية المزرية التي أضحى عليها المكان تتطلب تدخلا عاجلا وعلى مختلف الأصعدة، مشيرا إلى أن هناك لجنة اتفقت على ضرورة الاهتمام أكثر بالمآثر التاريخية والعمل على الحفاظ على الجانب البيئي والجمالي لها.

وتعدّ حدائق النخيل تراثا إيكولوجيا وتاريخيا للمدينة الحمراء، وتمتد على مساحة 1300 هكتار، وتعكس الإرادة القوية لمكافحة زحف التصحر بالمنطقة وتشييد مساحة خضراء كبيرة على مشارف الصحراء.

وقد تمت تهيئتها وغرسها في عهد السلطان يوسف بن تاشفين، وتضم أزيد من مئة ألف نخلة كانت تسقى بفضل نظام يعود إلى القرن الثاني عشر، يعتمد على جلب الماء انطلاقا من سفوح جبال الأطلس عبر قنوات تمتد على العشرات من الكيلومترات.

وتتميز هذه الجوهرة الطبيعية، عن باقي مناطق النخيل الأخرى، بنظامها البيئي الفريد من نوعه والذي مكنها من أن تكون فضاء متنوعا وغنيا بثروة نباتية وحيوانية، حيث تشتمل على 120 نوعا من النباتات و13 صنفا من الثدييات، منها ثلاثة أنواع نادرة أو مهددة بالانقراض، بالإضافة إلى 44 نوعا من الطيور و20 نوعا من الزواحف.

وخلال العقود الأخيرة، تعرض هذا الموقع التاريخي لتدهور طال أزيد من 19 بالمئة من مساحته، بسبب تلف نظامه للري والتوسع العمراني المتصاعد والتخلي عن الأنشطة الفلاحية داخل هذا الفضاء البيئي بسبب الجفاف.

20