مراهقة في الخمسين

الاثنين 2017/10/23

أزاحت التراب عن وجهها بعد معاناة قاسية مع مرض مجهول وألم حائر في أي موقع من جسدها يسكن، آلام مبرحة تنتاب جسدها النحيل، وتفترش خلاياها وشرايينها، كل صباح تستيقظ لتكتشف في أي الأعضاء بث المرض سمومه في الليل خلسة، هل ستستطيع التقاط أنفاسها اليوم دون أجهزة التنفس، أم أن عليها الصراخ حتى يحتقن وجهها ويتلون باللون الأحمر القرمزي، من من عائلتها الكبيرة عددا سينتبه لصوتها المبحوح؟

ما بين أب لا يعبأ بآلامها وأم متصابية تجدد شبابها وتحتفي بأنوثتها بأثواب لا تليق بعمر جدة ينتظر أحفادها أن تحنو على سنوات عمرهم الصغير بعد فقد الأم، وأخ غارق في الأحلام، تحتضر في صمت، ليس بطولة منها أن تخفي ألامها، ولكنها تصرخ دون أن ينتبه إليها أحد.

باحت بشجونها لمرآتها كثيرا، لكنها أبدا لم تجرؤ على الكلام المباح لغير المرآة، لا صديقة لها غير الحقن الدوائي، ولا رفقاء غير زجاجات الدواء تزين غرفتها. حياة كئيبة يملؤها المرض والحزن، لكنها لم تفكر في إنهائها مطلقا، الانتحار هروبا لا تراه حلا، فرغم قسوة الحياة تراها منحة من الله تعالى للتفكير والتأمل، فرصة للبحث عن مواطن القوة وتحفيز طاقات تسكن كل إنسان، لا يوجد مخلوق بلا إرادة، وحكمة الخالق من الخلق لا ندركها جيدا إلا في الأزمات، ضربات متكررة تتلاقاها بمرارة دون اعتراض، ودون تذمّر أو شكوى، فقط ابتسامة عريضة تزين وجهها ورضا يسكن القلب المتعب.

سنوات شبابها قضمها المرض، وسنوات طفولتها لعقت مشاكل والديها رحيقها، لم يتبق لها سوى ما يجود به عليها الزمن من عمر لا تدري أيطول أم في جعبة الزمن مزيدا من مفاجآت كالحة.

تتلقى كل عذاباتها بقبول حسن، لم تفكر في إنهاء حياتها مطلقا، حتى في أوقات اشتداد المرض ونفض الغبار عن عضو جديد أتلفه، وسكنه الأنين، مزيدا من الصبر، تتجرع الآلام بتصالح رائع مع النفس، ومع المرض ذاته.

في يوم جديد، ذات صباح بائس استيقظت على صراخ الأم طالبة الطلاق لتبدأ حياة جديدة في ظل حبيب “فيسبوكي”، أفاقت على كارثة، أي حبيب هذا الذي ترغب أمها في البقاء إلى جانبه، وأي حياة جديدة تنتظر زوجة وأم وجدة، وهل كل امرأة على خلاف مع زوجها من حقها إنهاء حياة زوجية مستقرة تتخللها خلافات بسيطة عابرة، لم تنكر على أمها يوما أن تعيش حياتها كما يروقها، لكن كيف لعقلها المرهق أن يستوعب تصرفات أمها “المراهقة” في نهاية الخمسين، من يرمم قلبها إذا ما تركتها الأم؟

استغاثت بأمومتها، واستعطفت حنانها دون جدوى، أي قلب هذا؟.. يا لقسوة الأم، كيف اقتلعت حب أبنائها من فؤداها ولهثت خلف الوهم في سنوات العمر الضائع، يا للخيبة والتيه، أسقط في يديها، فقد عزمت الأم على مرادها ولن يثنيها عنه شيء.

استغاثت بالله الواحد الأحد، مرددة: أما الغلام، وأما السفينة، وأما الجدار، فصبرا على ما لم أحط به خبرا، رحماك ياربي.

أزاحت ستائر أفكارها السوداء عن شرفة التشبث برجاء واهن أ تعود الأم إلى رشدها، وإلى رسالة لم تتمها، وأبناء يحتاجون إلى دفء أحضانها بدلا من تركهم في برودة الوحدة، وجليد مشاعرهم يصهره الفراق والتشتت.

أه، ما بين جسدها المتعب بالمرض، وقلبها المرهق من الفراق خصومة الفرقاء لن تستطيع الأيام فك حصار نفسها الأسيرة من العذاب. لم يهزمها المرض المتوغل في كل قطرة من كيانها، ولكن هزمتها الأم بفعلتها.

حققت الأم رغبتها بالفراق، وإلتقطت أنفاسها مع صديقها في العالم الافتراضي، حوّلت حبها إلى حقيقة، وبدأت تسطر على صفحاتها على منصات العالم الافتراضي كلمات العشق والغزل للحبيب الجديد، القادم من المجهول، (ابتديت أحب عمري، وأخاف العمر يجري، الحب الأول هو دائما الحب الأخير)، رممت الأم شروخ روحها المفتعلة بعد زواج دام أكثر من ثلاثين عاما، لم يحتمل قلب الابنة عذابا جديدا يضاف إلى عذاباتها، أنهت الفصل الأخير من مسرحية عبثية لعبت فيها الأم دور البطولة، انتحرت الابنة خجلا من مراهقة امرأة في الخمسين.

لست ممن يدسون أنوفهم في حياة الآخرين، أو يعتلي منصة الانتقادات رافعين شعار الحجر على تصرفات الغير، ولكن لسنا وحدنا في المركب، ولرفقاء الرحلة علينا التزامات.

رفقا بالأبناء، فالأهل هم دائما الجدار الذي يستندون إليه.. فإذا تحطم، ضاع الأمان، وضاعت الحياة.

كاتبة مصرية

21