مراهقون وراء القضبان بحثا عن التميّز والتفرد

الجمعة 2014/10/03
أبناء يفرغون الأوهام المكبوتة في نفوسهم بالجريمة

القاهرة- أن يفتح السجن ذراعيه لمجرم فهذا متوقع وأمر طبيعي، ولكن الغريب أن يكون المدان مراهقا في عمر الزهور، ينتظره مستقبل عريض، والأسباب كثيرة أهمها فقد الحنان، أو التمرد على الفقر، أو الانتقام من المجتمع، الأمر مثير للشفقة والتساؤل في ذات الوقت.

وأكد علماء النفس، أن هناك حلولا بالفعل للقضاء على هذه الظاهرة التي تهدد المجتمع بانفجارات، قد لا يمكن مواجهتها مستقبلا.

ويقول الدكتور فكري عبدالعزيز، استشاري الطب النفسي وعضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية: يسيء بعض الآباء التعبير عن مشاعرهم تجاه أبنائهم المراهقين، مما يوقع الأبناء في وهم بتدني مشاعر الآباء تجاههم وعدم رضاهم الدائم عن تصرفاتهم، وذلك يبعث على الشعور بالاضطهاد وعدم الأمان، ولذا فالأبناء يلجأون إلى تفريغ هذه الأوهام المكبوتة في نفوسهم بالسلوك العدواني والجريمة، وهي إشارة مرضية تستوجب التعجيل بالعلاج والعرض على أطباء النفس، إذا وصل التدهور إلى درجة لا يمكن السكوت عليها، ويجب على الآباء هنا أن يفرِّقوا بين الصواب والعقاب، عن طريق المكافأة على فعل الصواب والعقاب على ارتكاب السلوك الضار، ويفضّل العقاب المعنوي، فهو يحافظ على مشاعر المراهق ويتوافق مع مرحلته الحرجة وإحساسه بذاته، باعتباره رجلا تخطى مرحلة الطفولة والعقاب بالضرب، مع محاولة الابتعاد عن التقليل من شأنه.

أما الدكتور مجدي محمد الدسوقي، أستاذ الصحة النفسية بجامعة المنوفية فيقول: يُصاب بعض المراهقين بالأمراض النفسية المختلفة، كالإحباط والاكتئاب والبارانويا التخيّلية، فإذا أهمل في العلاج فإنها تتحوّل إلى أمراض متأصلة لصيقة بالشخص فيما بعد، كما أنها تحرِّكه نحو إصدار سلوكيات إجرامية، واتضح أن المرضى النفسيين أكثر نزوعا للجريمة، عن غيرهم من المتمتعين بنفسية سوية.

الجريمة يسبقها ما يفصح عنها كالميل للعنف والتمرُّد بشكل دائم وزائد عن الحد وإدمان المخدرات

وجنوح المراهقين للجريمة هو مجرد عملية تفريغ للغضب الداخلي، والمشاعر السلبية تجاه المحيطين، حتى يتخلص من آلامها التي تعذبه وتسبب له الشعور بالصراع النفسي، ودائما الجريمة يسبقها ما يفصح عنها، كالميل للعنف والتمرُّد بشكل دائم وزائد عن الحد وإدمان المخدرات، والمراهق يقع فريسة للصراع النفسي نتيجة العلاقة غير المتوازنة التي تسود الأسرة، وتزيد من التوتر بين أفرادها، ويجب ألا ننسى أهمية المثل الأعلى في حياة الأبناء ومساهمته في تشكيل سلوكهم، فابن المجرم المطارد أو السجين الملقى خلف الأسوار، تشبع بالمناخ العام للحياة وانتهج نفس التوجهات التي شبّ عليها، والمعاناة من الفقر تدفع بعض المراهقين للسرقة، وأحيانا يتطور الأمر إلى القتل، والبعض منهم يجدها وسيلة لتعويض ما حرمته منه الحياة، من رفاهية واستمتاع بملذات الحياة.

ويؤكد الدكتور مجدي أن التنشئة السليمة هي جواز المرور الآمن من سن المراهقة، دون التعرُّض لأي مشاكل نفسية أو سلوكية، لذلك يجب على الآباء إعلاء قيم الحب والخير في نفوس أبنائهم منذ الطفولة، وملاحظة أفعالهم بصورة دورية للإبقاء على الصالح منها ومحاولة تقويم الخاطئ، علاوة على ضرر زرع الثقة في نفوس الأبناء تجاه أنفسهم والمجتمع، حتى لا يدفعهم الشعور بالنقص إلى الانتقام أو الخوف من الناس للانزواء والعزلة.

ومن وجهة نظر الدكتور خضير خليفة، أستاذ علم الاجتماع، فإن الأبناء في مرحلة المراهقة تكون لديهم جرأة تصل إلى درجة الطيش على إتيان كل ما هو غريب، لأنهم يسعون إلى الاستقلال ومحاولة إثبات الذات، خاصة إذا كان المراهق يواجه بسخرية دائمة داخل الأسرة من اهتماماته أو أسلوب شخصيته، ويزداد الأمر سوءا إذا عقدت المقارنات بينه وبين أقرانه ممّن يتفوقون عليه دراسيا مثلا، وإدراكه واندفاعه وراء مشاعره وعنفوانه، يصوّرون له طريق الجريمة كأنه طريق للتميُّز والتفرد، وهو يتأثر في المقام الأول بما يراه في شاشة الفضائيات ومواقع الإنترنت وما تنقله مواقع التواصل الاجتماعي، من إعلاء لشأن البطل الفرد المنتصر، وأفراد العصابات الأذكياء الذين نجحوا في الفرار بغنيمتهم بعيدا عن أيدي الشرطة، يحاول المراهق التقليد ويدفعه انبهاره ورغبته في احتلال نفس المكانة، وهذه المرحلة أهم ما يميزها الابتعاد التدريجي عن الأسرة والتقرُّب من رفاق الدراسة، لأن المراهقين يرغبون في تدعيم صلاتهم بعالمهم الجديد، فنجدهم أكثر ولاء للمجموعة والأصدقاء.

السبب في السلوك الإجرامي هو انتصار "اللاشعور" داخل النفس البشرية على المساحة الواعية والمعروفة "بالشعور"


الوراثة والجريمة


ويرى الدكتور سيد صبحي، أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس، أن الأبحاث الخاصة بدراسة الوراثة والجريمة قديمة نسبيا، وأعني التي أقرت وجود علاقة بينهما، وثبت أن الشخص العادي يحمل كروموسوما حاملا الصفات الوراثية، أما الأشخاص الذين يحملون في تركيبتهم الطبيعية النزوع إلى الجريمة، فقد لوحظ أنهم يحملون الكروموسومات من النوعية “X.y.y”، واستنتج بعدها أن الحاملين لهذا الثابت الوراثي يمتلكون ميلا فطريا إلى العنف والتدمير، ووضع بعض العلماء مثل “لومبروزو” الإيطالي بعض المحددات الشكلية الدالة على مكنونات نفوس هؤلاء القوم، فهم ضخام الجثة ويتمتعون بطول ملحوظ، إضافة إلى امتلاكهم شكلا فريدا في تكوين عظام الجمجمة، حيث تمتاز وجوههم بالاستطالة.

ولكن الدراسات الحديثة جاءت لتناقض هذه النظرية، وذلك بعد اكتشاف أناس يتحلون بطيب الصفات وهدوء النفس، وتنطبق عليهم نفس المواصفات الشكلية ويحملون كروموسوم “X.y.y”، واتجهت الأبحاث وجهة أخرى بعد أن تأكدت من أن السبب في السلوك الإجرامي هو انتصار “اللاشعور” داخل النفس البشرية على المساحة الواعية والمعروفة “بالشعور”، وحينما يفقد الإنسان ضميره ويسمح للمخزون المكبوت داخله بالانطلاق، هذا المخزون عبارة عن الرغبات والأحلام غير المشروعة التي يحرمها المجتمع أو يحرمها الدين، والإنسان السوي البعيد عن الآفات النفسية ينجح في القمع غير المباح في “اللاشعور” مع تحقيق مواءمة نفسية وشعور بالاستقرار، وأحيانا تكون الجريمة الطريق النهائي الذي يبدأه المراهقون ويستمرون فيه.

21