مرايا

الأربعاء 2015/01/28

هي حولنا، هي في كلّ مكان، هي الأقربُ لنا أحيانا من أنفسنا، دون أن نعي ونفكر بما تعنيه هذه الحقيقة.

هي التي نرى فيها ما يراه فينا الآخرون، أو ما قد نبدو عليه أمامهم، نقرأ فيها ما تعكسه ملامحنا من فرحٍ أو ألم، من بكاء أوغضب وانزعاج، هي أحيانا أول ما نتطلع إليه حين نفتح أعيننا في الصباحات، وثمة مثل شعبي يقول ما معناه: “حاول أن تنظر إلى المرآة قبل أن تنظر إلى أي شيء آخر”، وهي فلسفة شعبية تحاكي فكرة أن تستقبل يومك بأن تتطلع إلى وجهك لا إلى وجه أي شخص آخر قد يبعثُ على التشاؤم أو قد يفسدُ عليك يومك! فلسفة جميلة لا بأس بها!

كثير منا لم يسمع بهذا المثل، لكننا دون وعي منا نتطلع إلى وجوهنا في الصباح ونحن نغسلها من بقايا الحلم أو احتفاءً بمولد يوم جديد من عمرنا، بكل ما يخبئه لنا من تجارب جديدة ووجوه جديدة أو حتى روتين يومي معتاد.

وبالحديث عن المرآة، تمر ببالي ذكرى لصديقتين عرفتهما في زمنين منفصلين، كانت الأولى كلما نظرتْ إلى المرآة تصيحُ: الله ما أجملني! ما أحلاني! وتروح تقبّل مرآتها ونحن نضحك! والأخرى عرفتها لاحقاً، كانت كلما نظرت إلى المرآة عقدتْ حاجبيها وأخرجت لسانها وقالت متمتمة: ما أقبحني!

لا تصدقوا أن النساء يحببنَ المرآة أكثر من الرجال، فهذه فكرة سائدة بعيدة عن الحقيقة، فكل إنسان منا يحب أن يرى بعيون المرآة كيف يمكن أن يراهُ الآخرون، وهي طبيعة بشرية بلا شك، وثمة معلومة مهمة قد لا يعرفها الكثير من الرجال، وهي أن المرأة لا تنظرُ إلى مرآتها كثيرا حين تستبدل ملابسها، فهي ترتدي ملابسها ببالها وخيالها قبل أن تضعها على جسدها، إلا في حالاتٍ خاصة ومناسبات خاصة حينما تكون مصرة على أن تبدو في أبهى حلة، حينئذ ستكون المرآة هي عين الآخر أو عين المعجب والحبيب التي تحاول المرأة أن تقرأ عبرها ما يمكن أن يراه فيها.

وقد يكون الحبيب نفسه هو المرآة! فما يراه في حبيبته وما يزرعه في روحها هما الأهم من كل ما تقوله لها مرايا العالم، فالحب يجعل الملامح أجملَ وأبهى، يجعل الجسد نابضا بالجمال والخفة، يجعل الروح ترقص طربا، وهي تعيش طفولةً غضة، وبعكسه قد لا تفلحُ كل أدوات التجميل أن تخلق وجوها تنبض بملامح الحب!

أما حين يتجذر فينا الألم والموت والشيخوخة، فقد تتحولُ مرايانا إلى عدوٍ لدود، وأخصّ جدا أول صدماتنا معها حين تواجهنا، مثلا، بأول خطوط التجاعيد أو أول خيوط الشيب، فتصدمنا بأعمارنا التي تتسرب من بين أصابعنا دون أن نعي، أو حين يمرضُ أحدنا – لا سامح الله – وتفضحُ مرآته آثار مرضه.

لكننا رغم كل شيء نستطيعُ أن نهزم مرآتنا العدوة ببسمة! نستطيع أن ندين كل صدماتنا وخيباتنا ومواجعنا بابتسامة أمام المرآة، فنستشعر الجمال في أرواحنا ومشاعرنا المستترة.

قد يبدو ما أقوله عصيا جدا على من استفحل في روحه الوجع وتمكّنتْ منه الكآبة، لكنها صدقوني علاج، وسنتعلم بالتدريج أن نستفزّ الفرح في أرواحنا فتطير خفيفة وتستنهض قوتنا على الصبر والجلد، وأيضا تشحذ قدرتنا على الحب.

صباحكم صبرٌ جميلٌ ومرايا صادقة.

21