مرايا الأوهام العظيمة

الاثنين 2016/02/22

الفن يقلد الطبيعة، حتى حين يقال إنه يستلهمها فإن الفن يسعى إلى استخراج جماليات الطبيعة في لحظة صمت غير متوقع، تلك اللقى التي لن تكون رؤيتها بشكل مباشر ممكنة أو محتملة. وما لا نراه من الطبيعة يُمكّننا الفن من رؤيته، وإن بدا الأمر على شيء من الغموض، فالتجريد على سبيل المثال هو أسلوب في النظر إلى الطبيعة ليس إلّا.

في رسوم تيرنر التي تعود إلى القرن الثامن عشر الكثير من لحظات التأمل التجريدي المستخرجة من قلب المشاهد الطبيعية. لم يكن التجريد قد اكتشف بعدُ يومها. وكان الفرنسي كلود مونيه قد وصل في تماهيه مع زهوره إلى درجة الغوص في أعماقها التي تذكّر بمشهد مرور نيزك في سماء صافية، لكن ما وقف مونيه أمامه حائرا هو اللحظة التي يتجلّى فيها الداخل كما لو أنه مظهر الشيء.

يستعيد الفن الطبيعة فيما يزعم الفنان أنه لا يفكر إلا في الفن، متوهّما انفصاله عمّا يحيط به. فلا شيء مثل الفن يمكنه أن يكشف عن روعة ما تنطوي عليه الطبيعة من جماليات، التي يظل القدر الأكبر منها خبيئا. غير أن الفن في المقابل يسعى إلى أن يتعلم من الطبيعة تقنيات عملها التي هي مزيج من الخيال والواقع. ولأن الطبيعة تظل في حالة من التخيّل الدائم، وهو ما يعبّر عنه تغيّرها المستمر، فإن الفن حتى وإن كان انطباعيا لن يتمكّن من اللحاق بها وبخيالها، إذ أن مرآة الطبيعة الداخلية أكثر سعة من كل المرايا التي يستعملها الفنانون في محاولاتهم التقاط صور متعدّدة للطبيعة.

وإذا ما عرفنا أن لكل فنان مرآته التي يتشكل زئبقها من خبرته وموهبته، يمكننا تخيّل كمية الصور التي تَظهر الطبيعةُ من خلالها دون أن تعبّر أي واحدة منها عن الحقيقة. فليس ما يظهر من خلال الفن سوى وهم، إذ الفنانون لا ينتجون إلا أوهاما، ولكن يا لها من أوهام عظيمة!

كاتب من العراق

16