مرايا المصطلح

الجمعة 2014/08/29

في إحدى أيام صيف عقد السبعينات من القرن الماضي جمعتني جلسة دافئة مع صديقي الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف في غرفته بفندق تورينغ بعاصمة الجزائر، ودار بيننا حديث متشعب حول الحياة والشعر، ولقد نشرت هذا الحديث كاملا -إلى جانب أحاديث أخرى أجريتها مع أدباء عرب وأجانب- في كتاب يحمل عنوان “أحاديث في الفكر والأدب/ 1984”.

أذكر أنني سألت الشاعر سعدي يوسف عن رأيه في الحداثية Modernism التي كانت في ذلك الوقت شائعة في شارع النقد الأدبي العربي وفي الدراسات الفلسفية أيضا، فأجابني بتلقائية وسرعة البديهة عن الحداثة، وليس عن الحداثية التي سألته عنها، قائلا: «إن الحداثة تجمع بين الثورة والفن معا بحيث لا تكون “الحداثة” كلمة مجردة، لكن ثمة التفاف على الحداثة، يتخذ أولا صيغة تجريد الكلمة، بحيث تعزل عن حركة المجتمع الثورية، ثم تأتي الخطوة الثانية، وهي إكساب الحداثة معنى مناهضا للتقدم، عبر تناول رجعي للناس والظواهر. آنذاك تتحول الحداثة إلى ارتداد، إنني أفضل استخدام مصطلح “الطليعية” على مصطلح “الحداثة”».

لقد مرّ على جواب الشاعر سعدي يوسف أكثر من 30 سنة، ولا نزال نسمع الكثير من الضجيج عن الحداثة دون تمييز هذا المصطلح عن مصطلح الحداثية المختلفين جذريا، حيث يعني الأول في قاموس الغربيين، الذين صنعوا الاثنين، ما لا يعنيه المصطلح الثاني بطبيعة الحال. في هذا السياق يلخص المفكر البريطاني أنتوني غيدنز ظاهرة الحداثية Modernism في إطارها الزمني على أنها مجموعة: “أساليب أو حركات بداخل الآداب، والفنون التشكيلية، والمعمار”، وكذلك “الثقافة العامة التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، والرافضة للتقاليد السابقة، وخاصة تلك التي تميزت بها فترة أواخر القرن التاسع عشر”، حسب تحديد كل من جوليان ولفري وروث روبنز وكنيث وماك.

أما المصطلح الثاني وهو الحداثة Modernity فيعرف حسب هذا المفكرغيدنز بالأبعاد المؤسساتية المكونة للحداثة نفسها، وهي باختصار: “المراقبة (مراقبة المعلومات والاستشارة الاجتماعية)، والرأسمالية (تراكم الرأسمال في سياق العمل التنافسي وأسواق الإنتاج)، والقوة العسكرية (مراقبة وسائل العنف في سياق التصنيع الحربي)، والتصنيع (تحويل الطبيعة: تطوير البيئة المصنوعة). ويمكن إضافة معلم آخر من المعالم الأخرى للحداثة وهي: الدولة-الأمة. هنا ينبغي علينا أن نذكر الوصفة الشهيرة التي قدمها الناقد والمفكر الأميركي للحداثية في عبارته الشهيرة في فضاء النقاش الفكري الغربي بأنها المنطق الثقافي للرأسمالية.


كاتب من الجزائر

15