مربية اللص ومرضعة الملاك

الأربعاء 2016/11/30

أيتها الحياة في أوطاننا، أنت غيرك في بلاد الآخرين وغيرك في أوهامنا، غيرك فيما قرأنا وخدعتنا كتب الحكمة العتيقة ومثالية الأيديولوجيات والتبشير بالفراديس، قيل لنا إنك متاحة بعدالة للأحياء جميعا ولكنك توقعين الكثرة في حبائلك، تظهرين كنحلة تهب الشهد مرة ومثل العنكبوت السوداء السامة مرات ومرات ونحن الموهومون بك ما تعلمنا التحوط من أحابيلك إلا في أفول الزمان وما تبقى لنا من ليال في متاهاتك.

أنت منجبة الزهرة والعطر وخلاصة السم، أنت أمّ الأفاعي والعقارب السامة والعنادل الصادحة، جدّة الذئاب والزهاد والصعاليك، خليلة المرابي وعشيقة السياسي وزوجة الكاهن وخطيبة الموت ومحظية القاتل. أنت عشبة الشباب وسنبلة الخير وجرعة السم وربيبة الشمس.. أنت غانية المجون ووالدة القديسين والأولياء، أنت مربّية اللص ومرضعة الملاك، أنت سيدة المعجزة وامرأة المكيدة وحائكة المؤامرة، أنت غيمة الحنين وريح السموم، فكيف لا نقع في حبائل وجوهك الألف؟

أيتها الحياة أنت موجعة كلسعة سوط مظفور باللهب، شهية كقبلة عاشقة وكريهة كطحلب المستنقع، أنت نهر سخي بالوعود وطوفان ينذر بالهلاك والنجاة بالقدر ذاته.

أيتها الحياة أنت عاقّة مثل ولد أنكر أمه وجحد أباه، أنت ترياق نجاة وشهقة احتضار، أنت نهمة كذئب أثارته رائحة الدم، أنت عذبة كرشفة رحيق، طيبة كقطرة عسل، أنت مغوية بزخرفك الرخيص كغانيات الليل، مضجرة كالانتظار ومبهجة كالوصال، أنت حائكة الفخاخ تسحبيننا كالفرائس الغفل إلى كهوفك، أنت قناصة أرواح تنثرين الطعوم عند بوابات مصائدك وتوصدين باب المتاهة.. أنت ناعمة زلقة كبطن أفعى، مضيئة كمنارة البحر في النوء العاصف، أنت فاتكة مثل ليل الهجر وموجعة كطعنة الفقدان، أنت الآثمة البريئة الفاتنة الآسرة، خذي ما تشائين وامنحينا الأمان وسط غابة الأفاعي والغيلان، خذي الزمن والتلال وومض النجوم واستبقي لنا الأمل وبرهات الحب، أبعدي مواكب الحرس وعربات الساسة المظللة بالنتن عن طرقاتنا ودعي أسيجة الآس والياسمين تحرس عرباتنا المتهالكة ونوافذنا المشرعة للسنونوات والضوء، خذي قادة الأكاذيب والشعارات الكذوب بعيدا ونظفي القاعات الكبرى والفضائيات من هرائهم وصراخهم، ودعي الفرق السمفونية تطلق معزوفات الأمل في قاعات الحكم واجعلي مغنيات الفرح ينشدن ترانيم الغد المبهجة.

خذي الكنوز والماس والتيجان وأكداس الذهب التي تتزين بها نساء الحكام السارقين وما خزّنت بنوكهم من أموال منهوبة وكفي سوءك عنا نحن الزهاد القانعين بلقمة ورداء، ودعي لنا فيء نخلة ورقرقة نبع وكوخاً لأهواء القلب.

ما ضرّك لو خاصمت الحكام الكذبة واللصوص والقتلة حينا من الدهر وأطلقت سراح الحرية المأسورة في المدن التي طال حزنها ويأسها؟ ما ضرّك لو أترعت الأقداح برحيق الفرح والنشوة ومددت سماط الطيبات في كل بيت ونثرت أزاهير المباركة على الأطفال والعشاق وبُناة الغد؟

لقد استعبدتِ أهواءنا طوال العصور وصرنا أسرى متاهتك سواء لبثنا في بلادنا أم تشردنا في الجهات، يا لك من داهية صانعة فخاخ: لوحتِ لنا بالوعود الباذخات، لكنك كنت تمالئين اللصوص وتمنحين وعودك للمستبدّين وتنسجين المكيدة لنا ثم تنقعين أرواحنا بحامض الأسى وتسوّرين لحظاتنا بالقنوط وتكافئين اصطبارنا بالحرمان والفاقة وتجففين أفواهنا بلسعة الظمأ والجوع وتسلبين الناس بهجة الرؤية والعقل متعة الرؤى، وكنا ندري أنك لا بدء لك ولا انتهاء؛ فاستسلمنا عصورا لغواية ألاعيبك وبغتة صحونا على خسائرنا وغافلنا تدابيرك المحكمة وزرعنا بذرة الأمل على ضفة أحلامنا ونحن نعلم تماما أن لا شيء في انتظارنا غير العدم.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

14