مرة أخرى.. السعادة لا تشترى بالمال

الثلاثاء 2013/10/22
دفء العلاقات الاجتماعية يتفوق على الثروات في ماراثون البحث عن السعادة

برلين- يقضي معظم الناس فترات غير متكافئة من حياتهم وهم يعملون من أجل جمع المال لتحقيق السعادة من وجهة نظرهم، وهم في هذا السبيل إنما يضحّون بجزء كبير من علاقاتهم الاجتماعية والعائلية إضافة إلى صحتهم الشخصية.

السعادة كما يراها وليم جيمس؛ الفيلسوف الأمريكي وأحد رواد علم النفس الحديث، هي الدافع الخفي الذي يحرّك الإنسان ويحدد مساره في الحياة، لذلك فإنه من الصعب وضع تعريف محدد لأبعادها ومكوناتها، وطبيعة المسارات التي يتخذها الناس في حياتهم لبلوغها.. فأغلبهم يراها في المال الذي يمكنه أن يعزز شعورهم بالرضا، إلا أن السعادة تتمثل أحيانا في أمور أخرى قد لا تخطر في مخيلة الناس؛ فالحكمة تقول بأن السعادة تقرع بابنا كل يوم، ولكننا لا نسمع صوتها، لأنه يضيع في زحمة أصواتنا العالية وصراخنا وندبنا للحظ.!

بالتأكيد، هنالك علاقة واضحة بين سعادة الفرد ومستوى دخله، إلا أن الإحساس بالسعادة قد يكون أبعد من ذلك بكثير وأكثر ارتباطا بعوامل أخرى، مثل الإحساس بالدفء العائلي والدعم الاجتماعي والرضا والحاجة إلى الاحترام والنجاح الوظيفي، فالمال يمكن أن يحقق السعادة إلى حد ما.. ولكن اذا استطعنا توظيفه في الاتجاه الصحيح. كما أن كل شيء في هذه الحياة يمكن أن يكون مصدرا للسعادة، إذا نظرنا إليه كمصدر للسعادة في حد ذاته.

في هذا السياق، قام خبراء في علم النفس الاجتماعي بتحليل لمحتوى المقالات التي وردت في الصحف، بحثا عن أكثر الكلمات التي ظهرت بصورة متواترة إلى جانب مفردات تعبر عن مفهوم السعادة، وتوصل الباحثون إلى أن كلمات مثل "آي فون"، "مليون"، "غوغل" لا تظهر في الغالب جنبا إلى جنب مع كلمة "سعادة" في المقالات ذاتها. وبدلا عن ذلك، فإن مصطلحات مثل؛ "الجدة" والضمائر الشخصية مثل "نحن" و"أنت"، تظهر في معظم الأحيان إلى جانب كلمة "سعادة" في الموضوعات والمقالات التي تنشر في الصحف. وبحسب نتائج البحث، وجد بأن السعادة الحقيقية تكمن في وجود ونجاح علاقات الفرد الاجتماعية، وليس بمقدار ما يمتلكه من ثروة مادية ومقتنيات ثمينة.

وأشار الباحثون إلى أن العلاقات الاجتماعية، المحصورة في دائرة أفراد الأسرة والأصدقاء، أكثر أهمية في تحقيق السعادة الفردية من الثروات أو الممتلكات المادية الثمينة مثل؛ أجهزة "آي فون"، أجهزة الكمبيوتر الحديثة، السيارات الرياضية الحديثة والتمتع بالثروات عموما، تلك التي لا توفر المستوى ذاته من الرضا والقناعة للفرد وربما تخفق في تحقيق السعادة له.

وأكدت نتائج الدراسة، التي أعدها فريق من علماء النفس في أكاديمية ساهلجرينسكا وجامعة لوند في السويد، بأن صورتنا المثالية التي تعكس مدى شعورنا بالسعادة أو درجة تحقيقنا للرضا النفسي، تتعلق بصورة واضحة بطبيعة علاقاتنا الاجتماعية بصورة أكبر من مقدار حيازتنا لممتلكات أو ثروات مالية.

وتوصل الخبراء إلى هذه النتائج عن طريق تحليل محتوى المقالات والموضوعات التي وردت في الصحف السويدية عام 2010، بواسطة تسجيل ورصد أكثر المفردات التي ترد في موضوعات تحتوي على كلمة "سعادة"، والتي تكون مرافقة لها في العادة، مع اختلاف طبيعة الموضوعات وأسلوب تحريرها ومدى تكرار ورود كلمة "السعادة" فيها.

من جانبه، أشار الدكتور دانيلو جارسيا؛ وهو مؤلف مشارك في الدراسة وباحث في مركز أكاديمية ساهلجرينسكا للأخلاق والقانون والصحة النفسية، إلى أن مدى متانة وحميمية شبكة العلاقات الاجتماعية وليست الممتلكات المادية، هو ما يتلاءم أكثر مع مفهوم السعادة.. وهذا الأمر يتماشى مع بقية النتائج، التي توصل إليها باحثون في السابق تعاملوا مع هذا المفهوم.

وأظهرت الدراسة، التي رصدت مليونا ونصف مليون كلمة وردت في صحف ذلك العام، بأن مصطلحات مثل "الجدة" أو الضمائر الشخصية مثل "أنت".. "أنا".. "نحن".. "لنا"، "لكم"، ظهرت جنبا إلى جنب مع مفردة "سعادة" في المقالات ذاتها.. فيما لم تظهر مفردات مثل "آي فون"، "غوغل"، "مليون" في مقالات تحتوي على هذه المفردة إلا ما ندر.

يقول الدكتور جارسيا: "هذا لا يعني بأن المقتنيات المادية الثمينة والثروات تسبب التعاسة للناس، لكن يبدو أنها لا تأتي ضمن السياق ذاته عند الإشارة إلى مفردة السعادة".

وتأتي هذه الدراسة في سياق مشروع بحثي موسع، يتعلق بالكيفية التي يصف بها الأشخاص الأحداث السلبية والإيجابية في حياتهم على حد سواء لذلك، يعتقد الباحثون بأن أسلوب تحليل كلمة "سعادة"، قد يعكس طبيعة الإدراك الجماعي لأفراد المجتمع الواحد، في ما يتعلق بأسباب السعادة ومفهومهم لها، وبالتالي أسلوبهم المفضل لتحقيقها. وفي هذا السياق، يشير الدكتور جارسيا إلى أغنية فرقة "البيتلز" الشهيرة، التي تقول كلماتها بأن "المال لا يشتري لك السعادة أو الحب"، ومدى النجاح الذي حققته في حينها، باعتبار أن الأغاني والفن عموما هو مرآة تعكس صورة المجتمع ومفاهيمه، ويضيف: "إذا كنا كأفراد ندرك أهمية العلاقات الاجتماعية الوثيقة والدافئة في حياتنا، فهذا ليس هو الحال مع الجميع؛ فكثير من الناس لا يدركون بأن مثل هذه العلاقات، في الواقع، ضرورية لتحقيق سعادتنا الشخصية".

21