مرتضى منصور الذي نصفه ملاك ونصفه الآخر شيطان

الأحد 2015/06/14
مرتضى منصور قاض رياضي ومرشح رئاسي مستبعد

في رائعته التي غناها العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ تساءل الشاعر محمد حمزة “لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية”، وهو تساؤل يبدو أنه أطلق في الأصل لينطبق على رغبة الكتابة عن المستشار مرتضى منصور القاضي والمحامي والسياسي ورئيس نادي الزمالك والمرشح المستبعد لرئاسة الجمهورية.

ولد منصور في حي شبرا أحد أعرق الأحياء الشعبية في القاهرة في 17 يونيو عام 1952، أي قبل أسابيع قليلة من ثورة يوليو التي فتحت الطريق أمام أبناء الطبقة المتوسطة لتولي المناصب العليا في الجمهورية، بعد أن كانت حكرا تقريبا على أبناء الطبقة الأرستقراطية.

تفتح وعيه السياسي بعد التحاقه بكلية الحقوق في وقت ازدهار الحركة الطلابية في السنوات الفاصلة بين نكسة 1967 ونصر أكتوبر عام 1973، لكن دخوله إلى الشأن العام كان عبر واقعة لا تقل في سرياليتها عن سيرته الذاتية الحافلة بالملاسنات.

كان مرتضى طالبا في السنوات الأولى بالجامعة عندما ساقه القدر ضمن وفد طلابي للقاء سيد مرعي أمين عام اللجنة المركزية في الاتحاد الاشتراكي في بداية حكم الرئيس الراحل أنور السادات، كان اللقاء الذي جرى عام 1971 المعروف في مصر باسم “عام الحسم” مخططا له أن يكون من طرف واحد، لكن الطالب الصغير صاح في وجه المسؤول الكبير بنفس طريقته الحالية التي اعتادها الناس “إزاي الأفندية كبار القادة في بلدنا يفكرّوا في تحضير الأرواح وسؤالها عن التوقيت المناسب للحرب؟”.

ولأن السؤال لم يكن تقليديا كانت الإجابة كذلك، حيث اقتيد مرتضى إلى سجن القناطر مع مجموعة من الطلاب المشاغبين ليبقى هناك 31 يوما، حتى أصدر الرئيس السادات قراراً بالإفراج عن الطلبة المعتقلين.

هذا الموقف كان نقطة تحول رئيسية في حياة مرتضى منصور، فقد اكتسب شعبية هائلة دفعته لإدمان الدخول في مواجهات مع مسؤولين وسياسيين ونجوم فن ورياضة فيما بعد، للدرجة التي جعلت بعض الساخرين على مواقع التواصل الاجتماعي يعتبرون أن تعداد من لم يقاضهم مرتضى منصور من المصريين أقل بكثير من تعداد من قاضاهم.

كذلك تعلّم المستشار من أزمة دخوله السجن ضرورة الاحتماء بحصانة ما، كانت البداية مع الحصانة القضائية، حيث التحق بسلك القضاء لفترة قصيرة، انتهت في بدايات الثمانينات، ثم سعى لنيل الحصانة البرلمانية لكنه أخفق مرتين عامي 1990 أمام وزيرة الشؤون الاجتماعية وقتها آمال عثمان، ثم خسر الانتخابات التالية عام 1995، قبل أن يحظى بالنجاح في تجربته الثالثة عام 2000.

فيلم لعادل إمام

لا أحد يعرف على وجه الدقة أسباب استقالة مرتضى منصور من القضاء عام 1983، فهو نفسه ذكر أن استقالته التي وزعها على كل الصحف ووكالات الأنباء وقتها كانت بسبب إلغاء حكم له بمنع عرض فيلم كوميدي للنجم عادل إمام، لكن بعض المواقع الإلكترونية نشرت مستندات تؤكد أنه خرج من القضاء بقرار من المجلس الأعلى للهيئات القضائية، بسبب الاستهانة بمقتضيات وظيفته وعدم انتظامه في عمله وافتقاده صفات رجل القضاء.

السبب المعلن للاستقالة كان فيلم “الأفوكاتو” للفنان الكوميدي عادل إمام، حيث تقدم عدد كبير من المحامين بدعوى قضائية لإيقاف عرض الفيلم، لسخريته من المحامين والقضاة، وعرضت الدعوى على القاضي مرتضى منصور فقرر منع عرض الفيلم وحبس منتجه رأفت الميهي ومخرجه الراحل يوسف شاهين، والبطل عادل إمام سنة وتغريم كل منهم 10 آلاف جنيه (حوالي 1300 دولار).

خرجت الصحافة وقتها تهاجم منصور بشراسة متهمة إياه بالتحول من قاض إلى رقيب سينمائي، وتصاعدت الأزمة بسرعة ما استدعى تدخل جهات عليا في مصر للسماح بعرض الفيلم، وهو ما أثار غضب مرتضى ليقرّر الاستقالة والتحول للعمل بالمحاماة.

أشهر صداماته مع أحمد شوبير حارس مرمى الأهلي والمنتخب المصري السابق والإعلامي الحالي، حيث شهدت كل أنواع السباب والاتهامات فضلا عن 62 دعوى قضائية أقامها مرتضى ضد شوبير، لتستمر المعركة مشتعلة طوال ما يقرب من 5 سنوات حتى أنهاها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

كانت الاستقالة فاتحة خير على المستشار، حيث تحول إلى نجم مجتمع في وقت قصير بقدراته الفذة في كسب القضايا التي يتولاها، مما لفت انتباه نجوم الفن والكرة إليه فوكّله الكابتن محمود الجوهري مدرب منتخب مصر الراحل لإقامة دعوتين أولاهما ضد اتحاد الكرة المصري، والثانية ضد نجم الأهلي ثم وزير الرياضة لاحقا طاهر أبوزيد، تمكن من ربحهما، ليصبح بعدها المحامي المفضل للمشاهير ونجوم المجتمع.

معارك وصدامات

معارك مرتضى القضائية تنتهي غالبا في مصلحته، فهو محام لا يشق له غبار باعتراف خصومه قبل موكليه، يعرف كيف يصطاد الخصوم من ألسنتهم حتى لو بدا ما يقولونه كلاما عاديا لغيره من المحامين، وبنفس البراعة يعرف استغلال ثغرات القانون لإخراج موكليه من أعقد القضايا التي تواجههم مثل “الشعرة من العجين” كما يقول المثل العامي المصري.

من أبرز السمات الشخصية للمستشار مرتضى منصور ميوله التصادمية التي تصل في كثير من الأحيان حد الرعونة غير محسوبة العواقب، فقد اصطدم بسمير سامي وزير العدل في نهاية السبعينات عندما كان مجرد وكيل للنائب العام، واقتحم عليه مكتبه ليشكوه إلى نفسه، فكان جزاؤه الفصل من النيابة.

كما اصطدم بسيد نوفل رئيس مجلس الدولة اعتراضا على حكمه بصحة قرار وزير الشباب بحل مجلس إدارة الزمالك الذي رأسه منصور في ديسمبر عام 2005، وكان العقاب هذه المرة حكما بالسجن لمدة 3 سنوات، تم تخفيفها بعد ترافع مرتضى عن نفسه في محكمة الاستئناف إلى سنة واحدة.

كذلك دخل في صدام مع حسن مصطفى رئيس الاتحاد الدولي لكرة اليد، وقت أن كان رئيسا للاتحاد المصري للعبة، فقد تحدى مرتضى قرار رئيس الاتحاد بمنعه من حضور نهائي كأس مصر لكرة اليد عام 2005 أمام الأهلي بسبب تجاوزاته تجاه رئيس وأعضاء الاتحاد في المباراة النهائية للدوري قبلها‏ بأيام، لكن المستشار قرر حضور المباراة رغما عن أنف مصطفى ليقرر الاتحاد شطب فريق الزمالك وتسريح لاعبيه، لولا تدخل ممدوح البلتاجي وزير الشباب والرياضة المصري وقتها ورفضه القرار.

لكن أشهر صداماته كانت مع أحمد شوبير حارس مرمى الأهلي والمنتخب المصري السابق والإعلامي الحالي، حيث شهدت كل أنواع السباب والاتهامات فضلا عن 62 دعوى قضائية أقامها مرتضى ضد شوبير بخلاف الدعاوى التي رد بها الأخير عليه.

واستمرت المعركة مشتعلة طوال ما يقرب من 5 سنوات حتى أنهاها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حين طلب منهما التصالح مع بعضهما خلال لقاء جمعه بالاثنين وقت أن كان مرشحا للرئاسة.

المعركة قدمت صورة واضحة لشخصية مرتضى التصادمية، فقد اندلعت في وقت كان شوبير فيه يعيش أفضل أيامه كأحد أهم الإعلاميين الرياضيين في مصر، ونائب في البرلمان، وعضو بلجنة السياسيات في الحزب الوطني فضلا عن صداقته الوطيدة بجمال وعلاء مبارك نجلي الرئيس المخلوع، بينما كان مرتضى في المقابل قد خرج لتوّه من السجن في قضية اعتدائه على رئيس مجلس الدولة، ويقف في أبعد نقطة ممكنة عن رجال النظام الذين نالهم منه الكثير من اللعنات خلال جلسات محاكمته.

دفاعه الشرس عن بقاء مبارك ومطالبته أنصاره في مقطع فيديو شهير بالذهاب إلى ميدان التحرير لإخلائه من "العيال اللي عاملين ثوار" يعدّ السبب الذي أحيل بسببه إلى القضاء في ما يسمى "معركة الجمل"، لكنه مع ذلك رفض الدفاع عن مبارك ونجليه رغم طلب الرئيس المخلوع

لكن كفاءة مرتضى حمته من رعونته ليخرج من المعركة رابحا بقرار رفع الحصانة البرلمانية عن شوبير، وصدور حكم بمنعه من الظهور على شاشات الفضائيات، فضلا عن التعريض بسمعته الشخصية عبر اتهامه بإقامة علاقات غير أخلاقية مع فتيات، وتقديم سي دي (قرص مدمج) يثبت صحة اتهامه، في واقعة حصل خلالها مرتضى على شهرته في القضاء على خصومه بالسيديهات.

علاقة مرتضى منصور بالإعلام لا تستحق فقط التوقف عندها لفترة طويلة وإنما قد تتطلب دراسات عميقة في علم النفس والاجتماع والإعلام نفسه، فالرجل الذي يصرّح في كل مكان بعدم حبه للإعلام أو الظهور فيه، يندر أن تخلو وسيلة إعلامية في مصر من صورته أو كلامه وفي كثير من الأحيان شخصه كضيف شبه دائم في الفضائيات المختلفة، لأنه مصدر مضمون لأيّ برنامج أو قناة تبحث عن رفع نسب المشاهدة.

فهو نموذج شديد الجاذبية للمشاهدين بطريقته التي يمزج فيها بين الجد والهزل، لا يتورع عن التطرق لأسخن الموضوعات بجرأة مخلوطة بالرعونة، دون أن ينسى أبدا بقية المشهّيات مثل ذكر أمهات الشخصيات التي يتحدث عنها، لدرجة أن بعض الظرفاء عايدوه في عيد الأم الأخير بقولهم إنه لا يمكن أن يمر اليوم دون معايدة المستشار مرتضى أكثر شخص في مصر يتذكر الأمهات.

هجومه على خصومه لا يعرف الخطوط الحمراء وهو ما رصده تقرير أعدته هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري، في القضية التي أقامها المستشار سمير يوسف البهي للمطالبة بمنعه من الظهور في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فقال التقرير الذي أعده المستشار محمد عاطف سيف إن رئيس نادي الزمالك اعتاد التطاول والتلفظ بالغث من القول على جميع القنوات الفضائية، بما يمثل خروجا على النظام العام والآداب والسكينة العامة، وإن المستقر عليه دستوريا أنّ حرية التعبير عن الرأي لا يقتصر أثرها على صاحب الرأي وحده، بل يتعداه إلى غيره وإلى المجتمع.

لكن طريقته الفريدة في خلط الجد بالهزل جعلت المشاهدين يقبلون منه ما لا يقبلونه من غيره، ومنها هجومه الشرس على الكاتب محمد حسنين هيكل في أحد البرامج حين أبدى تعجبه من عدم إصابة هيكل بأيّ أمراض رغم بلوغه 91 عاما، قائلا في سخرية “مجالكش (لم تصب) السكر ولا الضغط ولا تصلب في الشرايين؟ يا أخي ده (الممثل) خالد صالح عنده 48 سنة واتكل على الله”.

بلغت علاقته بالإعلام أدنى درجاتها في نوفمبر الماضي حين تبادل الشتائم مع صحفي بجريدة المصري اليوم المستقلة ثم مع رئيس رابطة النقاد الرياضيين فقررت الرابطة مقاطعته وعدم نشر أخباره، وهو ما رد عليه المستشار بطريقته المتفردة حيث واجه الحظر بحظر مقابل فمنع كل أعضاء مجلس إدارة نادي الزمالك والجهاز الفني ولاعبي الفريق من التحدث للإعلام.

من أكثر الملاحظات التي تستحق الرصد عند الحديث عن مرتضى منصور حجم الشعبية التي يتمتع بها، والتي تجعله يعود بعد كل هزيمة أقوى مما كان، ففي الزمالك استطاع تطويع الجمعية العمومية لتحارب معه معاركه ضد خصومه داخل النادي، وكان غريبا مثلا أن توافق الجمعية بما يشبه الإجماع على قراره ببيع ملعب حلمي زامورا الذي يعتبر أحد معالم النادي الواقع في منطقة المهندسين بمحافظة الجيزة لإنشاء مول تجاري مكانه، ونقل الأنشطة الرياضية إلى فرع النادي الذي لم ينشأ بعد في مدينة 6 أكتوبر بضواحي الجيزة، مثلما وافقت على قراره بشطب ممدوح عباس رئيس النادي السابق، ورؤوف جاسر نائب رئيس النادي السابق، بجانب هاني شكري عضو مجلس الإدارة المستقيل، لتدشن ما يمكن تسميته بـ”عصر مرتضى منصور” في الزمالك.

أعلن ترشحه للرئاسة مرتين الأولى عام 2012 لكن تم استبعاده بسبب ترشحه عن حزب مصر القومي المتنازع عليه، والثانية في الانتخابات الأخيرة عام 2014 قبل أن ينسحب دعما للرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي

معارك في حلبات القضاء

أما في معاركه القضائية فمن المعتاد أن يرافقه إلى المحاكم التي تنظر قضاياه عشرات من المؤيدين والمريدين الذين لا يتورعون عن الاشتباك بالأيدي مع خصومه إذا تطاولوا عليه، وأحيانا محاولة الاعتداء على القضاة إذا أصدروا حكما ضده، مثلما يتبارون في التعبير عن الفرحة بالأحكام التي تصدر لصالح المستشار.

ولا يمكن كذلك نسيان الدور المهم الذي لعبه أنصار مرتضى منصور خلال معركته مع باسم يوسف مقدم البرنامج الساخر “البرنامج” حينما حاصروا المسرح الذي يصور فيه برنامجه لمنعه من دخوله، بعدما تجرأ باسم على السخرية من المستشار في إحدى حلقات برنامجه.

مغامرات مرتضى منصور امتدت إلى السياسة لكنها اتسمت في الغالب بالتناقض، فقد دافع بشراسة عن بقاء مبارك وطالب أنصاره في مقطع فيديو شهير بالذهاب إلى ميدان التحرير لإخلائه من “العيال اللي عاملين ثوار” وهو المقطع الذي أحيل بسببه للقضاء في ما يسمى “معركة الجمل” قبل أن تتم تبرئته مع كل المتهمين في القضية.

لكنه رفض بعد ذلك تولي مهمة الدفاع عن مبارك ونجليه رغم طلب الرئيس المخلوع توكيله بحسب ما ذكر أكثر من مرة، مفضلا ترشيح زميله فريد الديب للمهمة.

بعدها هاجم الإخوان بقوة وتقدم ببلاغ ضد المستشار حاتم بجاتو وزير الدولة لشؤون المجالس النيابية خلال حكم الرئيس المعزول مرسي، يتهمه فيه بالحصول على المنصب كرشوة نظير خدماته في الانتخابات الرئاسية، كما تقدم ببلاغ ضد مرسي نفسه عقب إصداره الإعلان الدستوري في ديسمبر 2012.

لكنه تقدم أيضا بعدة بلاغات ضد باسم يوسف اتهمه فيها بالنيل من هيبة رئيس الجمهورية (محمد مرسي) قبل أن يعود ليتنازل عن كل البلاغات بعد أن فتح النائب العام تحقيقا معه بتهمة إهانة مرسي.

أعلن ترشحه للرئاسة مرتين الأولى عام 2012 لكن تم استبعاده بسبب ترشحه عن حزب مصر القومي المتنازع عليه، والثانية في الانتخابات الأخيرة عام 2014 قبل أن ينسحب دعما للرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، وقال إنه رأى حلما تفسيره يعني ضرورة انسحابه لصالح السيسي.

مذبحة ملعب الدفاع الجوي بالقاهرة قبل شهرين كانت أحدث معاركه التي فاجأ مؤيديه قبل خصومه بخروجه منها منتصرا، فبعد أن وضعته وسائل الإعلام ونشطاء حقوق الإنسان متهما أول عن مقتل الـ22 مشجعا، برأت النيابة ساحته بعد أن كشفت في تحقيقاتها تورط الإخوان في الحادث.

9