مرثية من وحي محنة التلميذات النيجيريات

الاثنين 2014/05/12

ليس لقعر الانحطاط من قرار أخير، ليس للدّناءة من موقف تتحرّج منه فتنتهي، ليس لصوت العنف من مدى يخفت فيه دويّ الصّدى، ليس للمد الهمجيّ من جدار يرتطم به فيرتدّ إلى الخلف، ليس للجحيم من حضيض أو درك أسفل يقف عنده مسلسل الهبوط.

حين يسقط الإنسان، حين يسقط ما هو إنساني في الإنسان، وحين يُترك الإنسان للسقوط الحر بلا تدخل ولا مقاومة، يكون السّقوط بلا قعر ولا قرار. إنّه قانون فيزياء غاليليو القديم، السقوط الحر للأجسام في هاوية “أسفل الكون” إلى ما لا نهاية. نعم، التصور لم يعد نفسه في فيزياء اليوم، لكن بمقاييس السياسة والأخلاق يظل ذلك القانون ساري المفعول، حيث لا قعر للانحطاط الأخلاقي والإنساني.

من كان يتصوّر انحطاطاً أحطّ مما تفعله جماعة بوكو حرام في شمال نيجيريا: سبيٌ واغتصابٌ ونهبٌ وغدرٌ وتفجيرٌ، في حق الأهالي الآمنين، في حق النساء المسالمات، في حق فتيات في عمر الزّهور قرّرت الجماعة بيعهنّ في سوق النخاسة على سنّة الله المفترى عليه في كل الأوقات؟ مرّة أخرى قد يقال لنا إن هؤلاء فهموا الإسلام خطأ. نعم، ومليون نعم، فهموه خطأ مثلما فهمه الطالبان خطأ، ومثلما فهمَته النّصرة وداعش والقاعدة وأنصار الشريعة خطأ، ومثلما فهمه العريفي والترابي والنميري وقطب والعرعور وابن لادن والزرقاوي والقرضاوي خطأ، ومثلما فهمته إيران والسودان وباكستان وأفغانستان خطأ، ومثلما فهمه الكثيرون وربّما الأكثرون خطأ. نعم جميعهم فهموا الإسلام خطأ! أبعد من هذا لعلكم تقولون وحده فلان بن علان وقليلون مثله، من فهموا الإسلام. وليكن! لكن السؤال المعلّق، ما الذي يجعل الإسلام قابلاً لأن يُساء فهمه على هذا النحو المتكرر دائماً والمتكاثر أحياناً؟ وهل نترك هذا السّؤال المقلق معلقاً مرّة أخرى حتى ينتصر الوحش الآدمي على بقايا الإنسان فينا؟ كلا، لا يليق بنا أن نعطل خلايا الدماغ إلى ما لانهاية. وحدهم الموتى لا يفكرون. فلنتساءل مرّة واحدة على الأقل كدليل على الحياة، أين الخلل في سوء الفهم المتكرر؟ ولنأخذ مثالا مبسطاً، على افتراض أن ما أقوله هو الحق والصدق والمنطق، فحين يساء فهمي مراراً وتكراراً فهذا يعني أنني أحتاج إلى إعادة صياغة المنطوق من جديد. أليس كذلك؟ لكن، هذه المرّة، لا يتوقف المشكل على سوء الفهم وإنما يكمن المشكل في أن سوء الفهم نفسه قد أصابته لعنة السقوط الحر داخل فضاء يشبه فضاء غاليليو، حيث لا قعر للسقوط.

فمن كان يتصوّر وضاعة أوضع من اختطاف أكثر من مئتي تلميذة شمال نيجيريا، ثمّ التهديد بـ”بيعهن في السّوق كما تباع السبايا وفق شرع الله”، حسب التهديد الذي أطلقه زعيم الحركة أبو بكر شيكو في شريط اهتزّ له ضمير العالم وبدا فيه الرّجل متعجرفاً إلى أبعد الحدود؟ نعم، صدق من قال إذا لم تستح فافعل ما شئت. لكن الأصدق هو أننا لسنا أمام مجرّد سوء فهم عرضي أو طارئ للإسلام، نحن أمام فهم متغلغل داخل الإسلام، جذوره راسخة، لا يفكر أحد في اجتثاتها إلاّ ويتُّهم بالزندقة، وها هي الجذور تزهر علقماً وزقّوماً، وهي على وشك أن تبيد الإسلام وتبدده، فلا تبقي منه بقيّة، بل الأدهى أنها قد لا تبقي في ديار الإسلام غير وحوش آدمية بالسّبحة والسكين، والعمامة والجريمة.

هذه الجريمة في أرض نيجيريا اليوم تمثل مساساً بأعمق وأصدق المشاعر الإنسانية. إنّ كل أب وكل أم في العالم سيلقى نصيباً من الوخز الإنساني الذي يدمي القلب، وطبيعي أن تأتي الإدانات من كل المستويات، الأمم المتحدة، الولايات المتّحدة، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، مفتي السعودية، الأزهر، منظمة التعاون الإسلامي، وجميل أيضا أن تكون الناشطة الباكستانية ملالا يوسف زاي- التي تعرضت لاعتداء بالمتفجرات من طرف حركة الطالبان الأفغانية في محاولة لمنعها من متابعة دراستها- في طليعة الحملة الدولية لإنهاء محنة التلميذات النيجيريات.

وفي المقابل لم تفلح السلطات النيجيرية إلى اليوم في العثور على التلميذات المختطفات. ما يجعلنا أمام مأساة إنسانية جديدة قد تشغل بال العالم من جديد. وكل العذر للألم السوري المحشور بدوره في الزاوية الضيقة بين جرائم الاستبداد وجرائم الجهاد، فقد أرهقنا انحطاطنا وخلط علينا جهلتنا كل الأوراق. ألم يكتب بعض نشطاء الثورة السورية النّبهاء منذ اغتيال السفير الأميركي في بنغازي أنّ تلك الجريمة الغادرة في حق حليف كبير لثورات الرّبيع العربي تمثل طعنة في خاصرة الثورة السورية؟ وهل كان الأمر غير ذلك؟

لماذا كل هذا الانحطاط البوكو حرامي الآن، والذي لن يساهم سوى في مزيد من خلط الأوراق؟

بمقاييس العقل السوي والحس السليم، لا شيء مبرر؛ فنسبة المسلمين في نيجيريا تقدر بحوالي 49 في المئة، تستوطن مناطق الشمال. والمفارقة العجيبة أنّ الشمال النيجيري الذي تطالب بوكو حرام بانفصاله عن الجنوب، حتى تطبق فيه شريعتها قهراً على مسلمين يقاومون حماقاتها، هو شمال يعاني من شح في الموارد الطبيعية ومن ندرة في الأمطار، مقابل جنوب غني بمصادر الطاقة وغزارة الأمطار، هذا في الوقت الذي ترجح فيه الكثير من الدراسات الاستراتيجية أن تصبح نيجيريا خلال العشرين سنة القادمة ضمن الاقتصاديات القوية، لكن ليس بدون الجنوب. فماذا سيفعل المتطرفون بالشمال “المسلم”؟ إنّه عمى الجهل، إنه عمى الجهالة، إنه عمى الجهلوت، ولذلك، ليس مستغرباً أن بوكو حرام تعني بلغة الهاوسا، وهي اللغة المحلية، هكذا: التعليم العصري حرام. بمعنى، المعرفة العلمية حرام. أي، أن تكون مسلماً معناه أن تولد في الجهل وتعيش في الجهل وتموت في الجهل.

قاعدة فقه التخلف واضحة: ما هو محرم على الإنسان هو أكثر حرمة على النساء والفتيات.

لذلك كان ثمن إصرار الفتيات على تعلم العلم، وتعلم التفكير، وتعلم المعرفة، هو بيعهن كالجواري في سوق النخاسة، وأين؟ على الأرجح في دول الجوار.

إنّه التفاني في الوضاعة والانحطاط. لكنه انحطاطنا جميعنا نحن المتسترين على جروحنا الداخلية، خوفا على عِرض لم يَبق منه غير الكذب على الذات، لكن هيهات هيهات، فإنّ الجروح قاتلة هذه المرّة. ولا عزاء لنا، لا عزاء.

كاتب مغربي

8