مرجعيات عابرة للحدود تعبث بالمنظومة القيمية في المجتمع المغربي

عدة حوادث صادمة ومستفزة في المغرب تعيد النقاش حول البنية الأخلاقية والتربوية، وبالتحديد لدى فئة الشباب والمراهقين.
السبت 2018/03/03
كيف نجمع بين الحداثة والأصالة

الرباط - يشهد المجتمع المغربي بكل شرائحه تحولات عميقة على مستوى القيم في جميع المجالات وعلى كافة المستويات، وهي تحولات ساهمت في بروزها عوامل متعددة ومتداخلة.

ورغم أنه، عمليا وإحصائيا، يصعب رصد كافة تلك التحولات والسلوكيات التي انسلخت نسبيا عن سلطة الماضي أو تلك المتأثرة بالتيارات الفكرية المتعددة وبالثقافية والاستهلاكية التي حملتها العولمة، فإنه كان لا بد من رصد المرجعيات التي أصبح المجتمع يرتكز عليها في تكوين الوعاء القيمي وتحديد هويته، والانعكاسات التي يمكن لمسها على السلوكيات الشخصية والمؤسساتية.

ويطلق أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس سعيد بنيس على الظواهر والوقائع المتصلة باختلال المنظومة القيمية، كالتطرف والانتحار وإضرام النار في الأجساد وتراكم النفايات وحرب الطرقات والاغتصاب والغش والتحرش الجنسي والشغب الرياضي وزنا المحارم والقتل وعقوق الوالدين، مصطلح “الاحتباس القيمي”. مؤكدا في تصريحات لـ”العرب”، أن هذا التحول القائم في السلوكيات سيؤدي إلى كوارث اجتماعية يصبح معها التعايش والعيش المشترك مستحيلين، كما هو الأمر بالنسبة إلى الاحتباس الحراري الذي يهدد حياة الإنسانية.

 

باحثون يرون أن الارتباك والتناقض الحاصلين في السلوكيات والقيم إلى “صراع مرجعيتين” الأولى مرجعية تتطلع إلى ما تعارفت عليه المجتمعات الأوروبية كمنظومة كونية في الحقوق والقيم، فيما تنتصر الثانية إلى مرجعية هوياتية محلية يتفاعل فيها الموروث الثقافي والديني المغربي

مساءلة الموروث

يقول عبدالرحيم الأمين، أستاذ بكلية الحقوق أكدال، الرباط، لـ”العرب”، إن المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات يعرف تحولات عميقة على جميع المستويات، وخاصة منها القيم ما أدى إلى التخلي عن الكثير من الأعراف والتقاليد والسلوكيات المتوارثة والتي كانت سائدة في المجتمع المغربي إلى وقت قريب.

ويرجع باحثون أن الارتباك والتناقض الحاصلين في السلوكيات والقيم إلى “صراع مرجعيتين” الأولى مرجعية تتطلع إلى ما تعارفت عليه المجتمعات الأوروبية كمنظومة كونية في الحقوق والقيم، فيما تنتصر الثانية إلى مرجعية هوياتية محلية يتفاعل فيها الموروث الثقافي والديني المغربي.

وأصبحت المرجيات الوطنية المغربية مزدحمة بمرجعيات أخرى عابرة للحدود، حسب قول الأمين، وهذا شيء طبيعي فرضته التطورات التكنولوجية ووسائل الإعلام والاتصال والتنقل والهجرة، الشيء الذي جعل المجتمع لم يعد مقتصرا في قيمه على مؤسساته المحلية وأعرافه وتقاليده، وأصبحت لديه القابلية للتفاعل مع مختلف الثقافات.

وشكّل المكون الديني عبر قرون متعددة عند المغاربة أحد المراجع الأساسية المهمة في بناء المنظومة القيمية وساهم في توجيه سلوكيات الفرد والمجتمع والتحكم فيها.

لكن المكون بات بدوره في دائرة المساءلة في ظل تنامي سلوكيات وظواهر اجتماعية لا تمتّ بصلة لتوجيهات المعتقد الديني داخل فئات مجتمعية مختلفة.

وبعد أن كان الأفراد يأخذون قيمهم من المجتمع المحلي: من الأسرة، فقيه المسجد، أصبح اليوم العالم بين يدي كل مواطن من خلال القنوات التلفزيونية، والأفلام والمسلسلات وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، كما صرح بذلك عبدالرحيم الأمين لـ”العرب”.

ويؤكد “صحيح بعد أن كانت المؤسسة الوحيدة التي تعد مرجعية للقيم هي المسجد، حيث يدرس الصغار ويحفظون القرآن الكريم ويتلقون القيم الإسلامية كما يتلقى الكبار قيمهم من المسجد من خلال خطبة الجمعة وغيرها، لكن اليوم أصبحت المدرسة العمومية هي المؤسسة التعليمية الأولى، علما وأن الجانب التربوي لدى المدارس ضعيف جدا لأن المدرسة ينظر إليها على أنها مؤسسة للتعليم وليست للتربية، بل إن مواد التربية الإسلامية والتربية الوطنية تعد مواد هامشية في منظومتنا التعليمية لا تحظى بالمكانية التي تليق بها.

ومن جانبه، يرى السيوسيولوجي والأنثربولوجي محمد الصغير جنجار، أن “ارتباط الإنسان المغربي بالمكون التقليدي في مجال القيم، يفسّر بضعف الجانب المؤسساتي في الدولة والمجتمع، بحيث لا تضمن المؤسسات القائمة الحماية الكافية، ليعيش كلّ فردانيته بشكل كامل دون مخاطر”.

ويضيف جنجار أن “فكرة التناقض بين شيوع التدين وغياب السلوك المدني والمواطنة مسألة تاريخية، ففي نهاية العصور الوسطى كان أقل الناس أخلاقا هم رهبان الكنائس، وفي القرن 19 عاد الأدب ليسجل المفارقة ذاتها لدى البورجوازية”.

ويسجل محمد الطوزي، أستاذ السوسيولوجيا والعلوم السياسية، أن من القيم الآخذة في البروز تلك المتعلقة بالفرد، فيما تظل القيم الأخلاقية مرتبطة بشكل تام بالحقل الديني، رغم أن هناك أكثر فأكثر بناءات فردية للقيم، حيث لم تعد الأسرة ولا الجماعة تحتكر عملية بناء ونقل القيم.

شيزوفرينيا الدين والتدين
شيزوفرينيا الدين والتدين

وساهمت مجموعة من القيم الدخيلة على المجتمع في خلخلة الموروث الثقافي والقيمي داخل مكونات المجتمع وبروز ظواهر وسلوكيات مستهجنة، حيث يؤكد العديد من المتدخلين في العملية التربوية على أن زعزعة بنية القيم والأخلاق في المجتمع المغربي من بين أهم أسباب السلوكيات السلبية التي تميز الشباب والقاصرين على وجه خاص، مؤكدين أن ما عاشته أجيال قبل التسعينات كان يطبعه نوع من السلوكيات المحتشمة والمسؤولة سواء داخل الأسرة أو في المدرسة والشارع.

ويعترف الدكتور جواد مبروكي، الخبير المغربي في التحليل النفسي، بأن المجتمع المغربي يعيش فعلا أزمة قيم مقرونة بأزمة دّين وتدين.

وأكد مبروكي في تصريحات لـ”العرب”، أن الأهم هو مدى تأثير الدّين في تحويل الشخص إلى مواطن صالح ومساعدته على استخراج القيم الروحانية وتفعيلها في واقعه، وهذه القيم هي التي تخلق شيم الخير والعدل والإنصاف وثقافة القناعة.

أدوار مرتبكة

لا يزال المغاربة يعيشون على وقع مشاهد صادمة وثقها مقطع فيديو لمحاولة اغتصاب شابة مختلة من طرف عدد من القاصرين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و17 سنة داخل حافلة للنقل الحضري بمدينة الدار البيضاء.

وأعادت الواقعة إلى الواجهة بقوة كل الاستفهامات والتساؤلات المربكة حول منظومة القيم والأخلاق في المجتمع المغربي، ومدى فعالية التربية والتكوين اللذين يتلقاهما المراهق في الأسرة والمؤسسات التعليمة والتربوية للدولة، خصوصا أن الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ سبقتها قبل مدة قصيرة فضيحة ما سمّي بـ”حمارة سيدي قاسم”، لم يكن أبطالها سوى أطفال مراهقين، مارسوا الجنس بشكل جماعي على أتان كانت مصابة بـ”السعار الحاد”، فاضطر أهاليهم إلى نقلهم إلى المستشفى، ليكتشفوا أن المرض انتقل إليهم بفعل الاتصال الجنسي مع الأتان!

من المستحب التفكير في ميثاق وطني لضبط الاحتباس والحيلولة دون انتشار وتغول أسباب العزوف عن القيم في المجتمع المغربي

ويقول باحثون اجتماعيون إن نوعا من الشيزوفرينيا يطغى على سلوك بعض أفراد المجتمع يشكل تناقضا في المنظومة القيمية المستمدة من التعاليم الدينية خاصة.

ومن جهة أخرى فإن عددا كبيرا من المواطنين يأخذون القيم الإسلامية من مشايخ وعلماء في الشرق والغرب متجاوزين العلماء المحليين.

وهذه الفئات وإن كانت قليلة، كما قال عبدالرحيم الأمين، أستاذ بكلية الحقوق أكدال، الرباط، لـ”العرب”، ولكن هذا واقع في كل المجتمعات، فهناك شباب تبنوا الفكر المتشدد الذي أدى إلى تبني العنف وهو أمر غريب على المجتمع المغربي وقيمه، وبعض الشباب اختاروا الانحلال والتمرد على قيم الإسلام بدعوى الحرية وهو أيضا أمر دخيل على المجتمع المغربي.

ويرى السوسيولوجي سعيد بنيس، أن وضعية المجتمع المغربي غير مرتبطة بأزمة قيم فقط، فالقيم مازالت موجودة لكنها أصبحت في جدلية تنذر بالانقراض والاندثار كما هو الحال في عواقب ظاهرة الاحتباس الحراري، معتبرا أن انهيار منظومة القيم تقابله ثنائية وازدواجية القيم المنشودة: الحداثة في مقابل التقليدانية، كعدوى التسيب القيمي ومعها حالة من التفقير القيمي.

ومن المواقع المؤسسية التي يشار إليها بطريقة مستمرة ومتكررة، حسب سعيد بنيس، المدرسة العمومية على أساس أنها الحاضن الأساس لتكوين شخصية الشاب والشابة وأن مضامينها القيمية أضحت متجاوزة ولا تقدر على مقاومة مدّ ثقافة ما وراء المدرسة مثل المخدرات والعنف والتباهي والقسوة الذهنية.. لأن مضامينها تنتفي منها مقومات سلوكيات الإنسية والاحترام والأخلاق والمواطنة.

وفي علاقة المدرسة بإشاعة القيم رصد تقرير صادر في أبريل 2017، عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول “التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي” عدة إشكاليات تمثل تحديات كبرى أمام المدرسة المغربية وإزاء دورها في التربية على القيم، تتمثل في اتساع الهوة بين الخطاب حول القيم والحقوق والواجبات، وبين الممارسة الفعلية لها، بالنظر لاستفحال السلوكيات المخلة بالقيم داخل المدرسة وفي محيطها.

ومن بين أهم القيم التي طرأ عليها تغير في الحمولة والرمزية داخل المجتمع قيمة التضامن التي ترتبط عضويا بمنظومة القيم الإنسانية الشمولية، وفي هذا الإطار اعتبر عبدالحميد عقار، عضو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن الوضع القيمي في المغرب والعالم أيضا، يواجه اهتزازا والعديد من الاختلالات في مستوى فهم القيم وكيفية إدراجها في الحياة اليومية.

ويذهب عبدالرحيم الأمين، أستاذ بكلية الحقوق أكدال، الرباط، إلى القول إن انعكاسات هذه التحولات تظهر في شتى المجالات منها خاصة على مستوى المدن والأحياء الراقية: مؤسسة الأسرية التي تغيرت في تكوينها وعلاقات مكوناتها وفي أدوارها، فقد أصبحت نووية بعد أن كانت ممتدة، وضعف تماسكها ودورها الاجتماعي والاقتصادي والتضامني، كذلك العلاقات الاجتماعية بين المجتمع ككل بحيث ضعفت علاقات الجوار والعلاقات الإنسانية وطغت الفردانية، بحيث أن الجار لم يعد يعرف حتى اسم جاره، بسبب غياب ثقافة العلاقات اجتماعية بينهما.

سعيد بنيس: التحول في السلوكيات كارثة اجتماعية تشبه الاحتباس الحراري الذي يهدد حياة الإنسانية
سعيد بنيس: التحول في السلوكيات كارثة اجتماعية تشبه الاحتباس الحراري الذي يهدد حياة الإنسانية

ويشرح سعيد بنيس لـ”العرب”، أنه مع تراجع الوساطة الثقافية وانسحاب الأحزاب والجمعيات المدنية والأسرة والمدرسة من معترك تأطير الشباب، ولد هذا الفراغ هويات تعويضية متوحشة وتفويضية جارحة.

ولموازنة النظرة التشاؤمية لواقع القيم بالمغرب وتداعياتها، استدرك عبدالرحيم الأمين، قائلا لأنه في نفس الآن لا ننكر بعض الإيجابيات لهذه التحولات من قبيل الوعي الحقوقي، وإنصاف بعض الفئات التي كانت تتعرض للكثير من مظاهر العنف والظلم كالمرأة والطفل والعمال وبعض الفئات ذات الوضعية الهشة.

ميثاق قيم

إن المرور إلى شاطئ الأمان في خضم التحولات القيمية التي يعرفها المجتمع المغربي يتطلب تدخلات على كافة المستويات للحد من الانفلات القيمي، حيث تتشابك حالات اجتماعية حادة إلى تأكيد المؤشرات السلبية على تنامي هبوط المنسوب القيمي داخل المجتمع.

وربطت دراسة أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، في العام الماضي، بين التنمية وقيم المشروع المجتمعي المشترك القائم على التسامح والعيش المشترك والحوار والتقاسم وإشاعة القيم الفردية الإيجابية الداعمة للتنمية، كما يتعلق بحماية وتعزيز الرصيد الثقافي، المادي وغير المادي، وتحرير المواهب والطاقات وتطوير القدرات الإبداعية.

ويمكن الإقرار بدور المحاضن التربوية الهام في الحد من ظاهرة الانفلات القيمي بين الشباب، حيث ترتبط ارتباطا وثيقا بالرؤيا المستقبلية والمشروع المجتمعي، بحسب بنيس، الذي أكد لـ”العرب”، أن دور المحاضن التربوية يرتبط ارتباطا وثيقا بالرؤيا المستقبلية والمشروع المجتمعي.

وكان رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، عمر عزيمان، أشار إلى ضرورة تكاثف جهود الجميع، لا سيما المؤسسات التربوية من أجل التصدي الحازم للسلوكيات اللامدنية المضرة بالفرد وبالجماعة، التي ما فتئت تتنامى في بعض فضاءات المجتمع، وداخل مؤسسات التربية والتكوين بجميع مستوياتها، من قبيل عدم الانضباط وعدم احترام الآخر، والغش، والعنف والتحرش، والإضرار بالملك العام وبالبيئة.

ومن جانبه، أكد عضو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، عبدالحميد عقار، أن المغرب بحاجة ملحة إلى منظومة قيم جديدة، منظومة تكون ذات طبيعة استراتيجية، وفي الوقت نفسه مواكبة لتخطيط استراتيجي إجرائي يضع المخرجات والاقتراحات والتوجهات التي ينبغي أن تضمن لهذه المنظومة قدرا من القيم، ليس الوجود فقط، بل الفعل والتأثير المرغوبين.

وختم سعيد بنيس، أنه من المستحب التفكير في ميثاق وطني لضبط الاحتباس والحيلولة دون انتشار وتغول أسباب العزوف عن القيم في المجتمع المغربي لأن التمرد على القيم هو تمرد على التنميط السلوكي الذي ترعاه محاضن التربية من خلال إهمال غير المتفوقين وغير المندمجين أو طردهم أو عدم توجيههم إلى مدارات تأطيرية أخرى: مهنية أو رياضية أو فنية.. لا سيما مع استحضار نظرية المهارات المتعددة.

20