مرجعية النجف تزيد الضغط على المالكي بدعمها المحاسبة الشاملة

تمَتْرُسُ الفرقاء داخل البيت السياسي الشيعي العراقي يزداد وضوحا بين رئيس الوزراء الحالي الرافع لشعار الإصلاح الشامل والمدعوم داخليا من قبل مرجعية النجف، ومعسكر ممانعة الإصلاح والمحاسبة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي المدعوم من إيران.
السبت 2015/10/10
بوادر ثورة على حكم الأحزاب الدينية الذي أفقر بلدا كان يفترض أن يكون ضمن أغنى بلدان العالم

بغداد - طالبت مرجعية النجف أمس بعدم التغطية على أيّ شخص مهما كان موقعه ومكانته من المحاسبة والملاحقة القانونية في ملفات الفساد، مجدّدة بذلك دعمها لرئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يواجه عراقيل كبيرة في الدفع بإصلاحاته بفعل ممانعة قوى نافذة ومؤثرة تخشى تضرّر مصالحها وخضوعها للمساءلة في ملفات فساد خطرة امتد تأثيرها إلى مختلف مفاصل الدولة.

وبدا كأنّ كلام المرجعية الذي ورد أمس في خطبة الجمعة على لسان عبدالمهدي الكربلائي نيابة عن علي السيستاني، موجّها بشكل مباشر إلى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي باعتباره أكبر شخصية ذات نفوذ في العراق توجه إليها اتهامات بالمسؤولية عن الفساد الذي بلغ حدّ إفراغ ميزانية البلاد، فضلا عن إضعافه مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القوات المسلّحة ما أدّى إلى سقوط أجزاء واسعة من البلاد تحت سيطرة تنظيم داعش.

وبعد أن كان الصراع مكتوما بين رئيسي الحكومة السابق والحالي، خرج مؤخرا إلى العلن بعد تلميحات قوية من العبادي إلى فساد سلفه ما جعل المعسكر المحسوب على الأخير من سياسيين وقادة ميليشيات يردّ بعصبية مطالبا العبادي بتوضيح موقفه الحقيقي من المالكي.

وخلال خطبة صلاة الجمعة التي أقيمت أمس في العتبة الحسينية بكربلاء قال الكربلائي إن “الأوضاع الصعبة التي يمر بها البلد تحتم على القوى السياسية المُشَارِكة بالسلطة أن تولي اهتمامها بمتابعة العملية الإصلاحية والمضي بها قدما”.

وطالب الكربلائي تلك القوى بـ”عدم خلق الموانع والعوارض أمام الإصلاحات وعدم التغطية على أيّ شخص مهما كان موقعه ومكانته من المحاسبة والملاحقة القانونية”، داعيا إلى “الابتعاد عن المهاترات غير المستندة إلى أدلة عبر وسائل الإعلام”.

وكان تصريح لرئيس الحكومة استخدم فيه عبارة “القائد الضرورة” في تلميحه إلى سلفه في معرض حديثه عن الفساد قد أثار ضجّة إعلامية وسياسية كبيرة، وأوحى بأن الصراع بين الرجلين وصل مرحلة اللاّعودة.

ويعتبر مراقبون مساندة مرجعية النجف لحيدر العبادي ضدّ سلفه نوري المالكي وجها من أوجه التوجّه السيادي الاستقلالي الذي تنتهجه المرجعية إزاء إيران ومرجعية قم، على اعتبار المالكي مدعوما بشكل صريح من إيران، فيما لا يبدو العبادي موضع ثقتها.

وأصبح الشأن السياسي في العراق محورا أساسيا لخطب الجمعة التي يلقيها خطباء نيابة عن المرجع الأعلى علي السيستاني ما يدلّ على انغماس متزايد من المرجعية في الشأن العام بمختلف نواحيه، حتى أن خطبة الأمس عرضت بشكل مفصّل للوضع الاقتصادي.

انغماس مرجعية النجف في الشأن العام لا يعني بالضرورة سعيها لتطبيق نموذج ولاية الفقيه على الطريقة الإيرانية

وحذّر السيستاني على لسان الكربلائي من تبعات الاقتراض الخارجي الذي تعمل الحكومة العراقية للحصول عليه، لما فيها من فوائد مرتفعة ستضر بالاقتصاد العراقي.

ولا يعتبر مختصّون في الشؤون العراقية ذلك مؤشرا على سعي مرجعية النجف لتأسيس “دولة مرشد عراقية” على الشاكلة الإيرانية مؤكّدين أن مرجعية السيستاني غير مؤمنة بولاية الفقيه، وهي من هذا المنطلق تساند التظاهرات الاحتجاجية في الشارع العراقي والتي يحرّكها تيار مدني سئم سيطرة الأحزاب الدينية على السلطة منذ سنة 2003 بعد أن خبر كارثية النتائج التي ترتبت عن تجربة الحكم هذه.

وخرج أمس متظاهرون بشوارع مدينة الكوت مركز محافظة واسط بجنوب العراق مطالبين بدولة مدنية ورافعين لافتات كتب عليها “خبز وحرية ودولة مدنية ديمقراطية”.

وواصلت مرجعية النجف أمس وقوفها إلى جانب دعوات الإصلاح والمحاسبة التي نادى بها الشارع العراقي في مظاهراته الاحتجاجية. وطالب معتمد المرجعية عبدالمهدي الكربلائي في خطبة الأمس هيئة النزاهة بعدم التأخر بالكشف عن ملفات الفساد وإحالتها على القضاء، فيما دعت الحكومة إلى توفير الحماية الكاملة للقضاة من العصابات التي تحمي الفاسدين.

وقال الكربلائي في خطبته إن “المطلوب من هيئة النزاهة أن لا تتأخر كثيرا بالكشف عن ملفات الفساد وإحالتها على القضاء”، مشددا على “أهمية أن يكون القضاء قويا ولا يخضع لأيّ ضبط من أيّ جهة مهما كانت”.

كما طالب الحكومة بأن “توفر الحماية الكاملة للقضاة الذين يتولون قضايا الفساد ليؤمّنوا على أنفسهم وعوائلهم من العصابات التي تحمي الفاسدين”.

ويؤكّد كلام المرجعية تعرّض القضاء العراقي إلى ضغوط كبيرة تمنع استقلالية وحياديّته.

وكان جزء كبير من مطالبات المحتجين بالشارع العراقي انصبّ على ضرورة تطهير القضاء. وأشارت بعض اللافتات التي رفعت في التظاهرات بالاسم والصورة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود متهمة إياه بالتواطؤ في تسييس القضاء والتغطية على الفاسدين والمجرمين، ما جعل قائد ميليشيات الحشد الشعبي هادي العامري ومساعده أبومهدي المهندس يسارعان إلى الاجتماع بالمحمود والتأكيد على أنه في حمايتهما وأنّ المساس به خطّ أحمر.

وتعمّ الشارع العراقي قناعة بأن أيّ عملية محاسبة جادة ونزيهة ستفضي حتما إلى معاقبة رئيس الحكومة السابق نوري المالكي المسؤول في نظر الغالبية العظمى من العراقيين عمّا يعانيه العراق اليوم من تردّ شامل في كل القطاعات والميادين.

وما يؤخّر محاسبة المالكي إلى حدّ الآن هو استناده إلى نفوذ سياسي عسكري متشعّب حيث تقف إلى جانبه قوى سياسية وميليشيات مسلّحة على رأسها ميليشيا بدر بقيادة هادي العامري.

3