مرجعية النجف تنضم لحملة الإصلاح في العراق حماية لمكانتها

انضمام المرجعية الشيعية في العراق بقوّة لحملة الإصلاح التي انطلقت فجأة على وقع غضب جماهيري عارم، لا يبرّئ ساحتها من المسؤولية عن رعاية عملية سياسية فاسدة منذ سنة 2003 ولا يحميها من النقد بسبب صمتها لسنوات طويلة على أوضاع دفعت البلد إلى حافّة الانهيار.
السبت 2015/08/22
ما يجري في العراق يحمل علامات ثورة على نظام حكم أفقر بلدا يسبح فوق بركة من نفط

النجف (العراق) - جدّدت المرجعية الشيعية في العراق أمس دعمها لحملة الإصلاح التي بدأها رئيس الوزراء حيدر العبادي، داعية إلى أن “يكون الإصلاح وفقا للقانون منعا لإبطاله من قبل المتضررين بذريعة مخالفته للدستور”.

وجاءت الدعوة على لسان ممثل مرجعية النجف أحمد الصافي خلال خطبة صلاة الجمعة بكربلاء، غداة تحذير المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، في تصريح مكتوب لوكالة الأنباء الفرنسية، من خطر تقسيم العراق ما لم تمض حكومة العبادي في تنفيذ إصلاح حقيقي، وتحميله حكومات سابقة مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلاد.

ورغم أن كلام السيستاني أعاد تقديم الموقف المعروف للمرجعية من عملية الإصلاح، إلاّ أنّ تمريره بشكل مباشر عبر الإعلام مثّل الاستثناء حيث دأب السيستاني على تكليف أحد وكلائه بالإجابة عن أسئلة الإعلام.

والسيستاني نادر الظهور العلني حتى من خلال الصور الصحفية. وسبق له أن دعا مراسلي وكالات الأنباء الدولية إلى منزله بعد إشاعة مرضه، إلاّ أنّ هؤلاء جرّدوا من جميع أجهزتهم بما فيها آلات التصوير والتسجيل الصوتي.

وعلّق مراقبون على لجوء السيستاني للإعلام هذه المرّة باعتباره انعكاسا لمدى صعوبة الموقف الذي تواجهه مرجعية النجف وتحاول تداركه بامتطاء مركب الإصلاح، بعد أن بدأ النقد والاحتجاجات الشعبية يقتربان من موقع المرجعية ذاتها عبر المطالبة بحكم مدني بديل عن الحكم الديني الذي رعته منذ سنة 2003.

ولم تخل الاحتجاجات من شعارات تحمّل المرجعية جانبا من المسؤولية عما وصلت إليه الأوضاع في العراق من تردّ على مختلف المستويات.

ويرى عراقيون أن أحزابا وشخصيات شيعية استخدمت اسم المرجعية على مدى أكثر من 12 سنة لإضفاء مسحة من الشرعية على سياسات خاطئة، بل حتى على سلوكات إجرامية وعمليات فساد غير مسبوقة.

ولم يسلم انضمام مرجعية النجف بقوّة إلى حملة الإصلاح من نقد رأى أصحابه أنّ المرجعية كان يجب بحكم موقعها الديني أن تكون هي المبادرة بالدعوة إلى تقويم الأوضاع غير السوية وتهب قبل غيرها لمقاومة الفساد الذي لم يكن يخفى على أحد.

توجه السيستاني للإعلام بشكل مباشر كشف صعوبة موقف مرجعيته

واعتبر أصحاب هذا الرأي أن سكوت المرجعية طيلة أكثر من عقد من الزمان على أوضاع دفعت العراق إلى حافّة الانهيار، يضعف موقفها ويجعل ركوبها موجة الإصلاح اليوم من قبيل الاضطرار لا الاختيار.

وقال ممثل المرجعية الشيعية أحمد الصافي أمس خلال خطبة صلاة الجمعة التي أقيمت في الصحن الحسيني بكربلاء، إن “تكالب الفاسدين من لصوص وعصابات الخطف والابتزاز هو من نتائج تخلف الكثير من المسؤولين في جهاز القضاء على القيام بواجباته القانونية”.

وشدد الصافي على أنه “لابد من التركيز على أن الخطوات الإصلاحية يجب أن تتم وفقا للإجراءات القانونية حتى لا يبقى مجال للمتضررين من التقدم بالشكاوى لإبطالها بذريعة مخالفتها الدستور والقانون فتتحول هذه الخطوات إلى حبر على ورق”.

وأضاف الصافي أن “بعض الخطوات الإصلاحية تتطلب تعديلا وتشريعا جديدا”، داعيا الحكومة إلى “تقديم طلب للبرلمان من أجل تشريعها وتعديلها”.

وجاء كلام النجفي بعد تحذير أطلقه علي السيستاني في تصريحات مكتوبة لوكالة فرانس برس من أنّ أوضاع العراق ستسوء “إذا لم يتحقق الإصلاح الحقيقي من خلال مكافحة الفساد بلا هوادة وتحقيق العدالة الاجتماعية على مختلف الأصعدة”.

وذكّر في أجوبته بأنّ “المرجعية العليا طالما دعت إلى مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات الحكومية وتحسين الخدمات العامة، وحذرت أكثر من مرة من عواقب التسويف وما إلى ذلك”.

وبشكل واضح حاول السيستاني تبرير تأخّر مرجعيته في الدفع باتجاه الإصلاح قائلا “لما نفد صبر كثير من العراقيين واحتجوا على سوء أوضاع البلاد وطالبوا بإصلاحها في الأسابيع الماضية، وجدت المرجعية أن الوقت مؤات للدفع قويا بهذا الاتجاه عبر التأكيد على المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس مجلس الوزراء بأن يتخذوا خطوات جادة ومدروسة في سبيل مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية”.

كما تضمّن كلام السيستاني تبرّؤا من العملية السياسية الفاسدة التي رعتها مرجعيته وقادتها الأحزاب الشيعية محمّلا السياسيين الذين تبوأوا مقاليد الحكم في البلاد منذ إسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، مسؤولية الأوضاع الراهنة.

وقال إن “الذين حكموا البلاد خلال السنوات الماضية يتحملون معظم المسؤولية عما آلت إليه الأمور، فإن كثيرا منهم لم يراعوا المصالح العامة للشعب العراقي، بل اهتموا بمصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية والعرقية، فتقاسموا المواقع والمناصب الحكومية وفقا لذلك لا على أساس الكفاءة والنزاهة والعدالة، ومارسوا الفساد المالي وسمحوا باستشرائه في المؤسسات الحكومية على نطاق واسع”.

ورغم الخطاب السياسي والديني العراقي شديد المرونة إزاء مطالب الإصلاح التي رفعها المحتجّون وطالبوا بها في مظاهراتهم، والذي تحوّل حسب مراقبين إلى ما يشبه “استعطاف الجماهير” سواء من قبل رئيس الوزراء أو من قبل الرموز الدينية الشيعية، تزداد حركة الاحتجاج ضراوة وانتشارا عبر المناطق العراقية.

وتظاهر العراقيون أمس بالآلاف في مدن وأقضية عدّة محافظات من بينها البصرة وبغداد وديالى وصلاح الدين، رافعين شعارات تتعلّق بمحاربة الفساد وتحسين ظروف العيش ومستوى الخدمات.

ولم تخل بعض التظاهرات من شعارات تمس جوهر الحكم الديني في العراق وتطالب بحكم مدني وهو التوّجه الذي تتخوّف مرجعية النجف والأحزاب الدينية من تطوره.

3